في حديث إسلام عمر أنّه قال لأخته : أعطوني الكتاب الذي تقرءون ، فقالت : لا يمسه إلا المطهرون ، فقام ، واغتسل ، وأسلم ومسّ المصحف .
وعن كثير من الصحابة أنهم كانوا يأمرون أبناءهم بالوضوء لمس المصحف .
وعن الحسن والنخعي كراهة مس المصحف على غير وضوء . ثم اسمع رأي الجصاص بعد أن نقل الخلاف الذي عرفت آنفا ، قال أبو بكر « 1 » : إن حمل اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند اللّه ، والمطهرون الملائكة . وإن حمل على النهي ؛ وإن كان في صورة الخبر ، كان عموما فينا ، وهذا أولى ، لما
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كتب لعمرو بن حزم « ولا يمس القرآن إلا طاهر »
فوجب أن يكون نهيه هذا بالآية إذ هي تحتمله .
ولننتقل بعد ذلك للكلام في القسم وفاء بالذي وعدناك ، وسيكون كلامنا في الموضوع من ناحيتين :
ناحية القسم من اللّه .
وناحية بمواقع النجوم خاصّة لأنه معنا ، ومن حقك أن تعرف وجه القسم بها ، واختصاصها بالموضع الذي وردت فيه . فنقول :
قد رأيت أول ما كتبنا أنّا سقنا لك أنواعا من القسم الوارد في القرآن ، فعرفت أنّه أقسم بذاته ، وأنّه أقسم بأشياء غير الذات ، ومنها القرآن الكريم ، وأريناك أمثالا كثيرة
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ الذاريات : 23 ]
يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 )
[ يس : 1 ، 2 ]
وَالصَّافَّاتِ
وَالطُّورِ ( 1 )
إلخ ، وقد كان العلماء فرقتين في قسمه بغير ذاته ، فمنهم من سلك طريق التأويل ، وصرف العبارات عن ظاهرها ، فقالوا مثلا
يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 )
: أي وربّ القرآن الحكيم ،
وَالضُّحى ( 1 )
: ورب الضحى . وهلم جرا .
وزعموا أن الذي حملهم على هذا التأويل أنهم :
1 -
قد رأوا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن الحلف بغير اللّه ، وقال : « من كان حالفا فيحلف باللّه أو ليذر » « 2 »
، والنهي يقتضي قبح المنهي عنه ، فإذا ورد في الشرع ما ظاهره أنّه حلف بغير اللّه وجب تأويله ، وردّه إلى أن يكون حلفا باللّه .
2 - أنّ الحلف بالشيء يقتضي أن يكون المقسم به معظما ، والتعظيم لا يكون إلا للّه ، فوجب أن تحمل الأقسام على ذلك .
3 - أنه قد ورد مصرّحا به على هذا النحو في قوله تعالى :
هامش
( 1 ) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر العربي ( 3 / 416 ) .
( 2 ) رواه النسائي في السنن ( 7 - 8 / 7 ) ، كتاب الأيمان ، باب التشديد في الحلف حديث رقم ( 3773 ) .