تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 702

مساهمون:

ص٧٠٢
وكان الظاهر على هذا المعنى أن يقول : ولكنّ اللّه حبّب إلى بعضكم الإيمان ، ولكنّه عمّم الخطاب تعريضا بمن فرط منه ذلك ، وإشارة إلى أنهم وقد دخلوا في الإيمان واستقر الإيمان في قلوبهم ما كان ينبغي أن يكون ذلك شأنهم ، فاستغني عن التنصيص على خطاب البعض لذلك ، وأيضا فإنّه لما ذكر الصفة التي تميز هذا الفريق اكتفى بها عن التنصيص على الموصوف ، مراعاة لما في تعميم الخطاب من فائدة التعريض . ويرى بعضهم أنّ الخطاب لجميع المؤمنين ، والمعنى عليه : أنّه لم يلحقكم العنت ، لأنّه يعلم أنّه لم يدفعكم إلى ما أنتم فيه إلا حبّكم الإيمان ، ومقامه في قلوبكم ، وكرهكم الكفر ، ونفرتكم من الفسوق والعصيان . ومعنى تحبيب الإيمان إليهم تقريبه لهم ، وإدخاله في قلوبهم ، ومعنى تزيينه في قلوبهم إقامته فيها ، بحيث لا يفارقها ، وذلك أنّ من أحبّ شيئا فقد يفارقه ، ولكن إذا زيّن له يستمر في الإقامة عليه والمكث فيه . وقد ذكر اللّه الإيمان ، وقابله بأمور ثلاثة كرهها إليهم ، وهي : الكفر ، والفسوق ، والعصيان . والإيمان اسم لثلاثة أشياء : التصديق بالجنان ، والإقرار باللسان ، والعمل بالجوارح . فالكفر هو الإنكار ، وهو يقابل الإذعان بالجنان . والفسوق يقابل الإقرار باللسان ، وقد سبق إطلاق الفسق على المجيء بالنبإ الكاذب ، وسيجيء إيراده بهذا المعنى في قوله :
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
وذلك يدلّ على استعمال الفسق في الأمر القولي . وهو في هذا المعنى مناسب لاشتقاق كلمة الفسق ، فإنّها في أصل وضعها تدلّ على الخروج ، مأخوذة من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ، فهو يدلّ على الظهور والكذب يظهر ويعرف ، فمن ثمّ صحّ إطلاق الفسق عليه . وأما العصيان فهو ترك العمل . ويرى بعضهم أنّ الكفر : الشرك ، والفسوق : الكبيرة ، والعصيان : الصغيرة . وقوله تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
الإشارة فيه إلى الفريق الذي حبّب إليه الإيمان ، وزيّن في قلبه ، والخطاب فيه للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وفي تسميتهم بالراشدين إشارة إلى أنهم أقاموا على اتباع أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ووقفوا عند إرشاده ، وعرفوا مقامه ومكانه بينهم ، فاستحقوا الرشد وكانوا راشدين . وفيه تعريض بالفريق الآخر حيث ابتعدوا عما يوصلهم إلى الرشد .
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 )
قوله : ( فضلا ) إما منصوب على أنه مفعول له ، والعامل فيه فعل مفهوم من قوله ( الراشدون ) أي وفّقهم اللّه إلى الرشد ، فضلا ، منه ونعمة ، والعامل فيه
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
ويكون قوله :
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
جملة اعتراضية ، وإما منصوب على أنّه مصدر من غير لفظ العامل ، وهو الراشدون ،