تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 700

مساهمون:

ص٧٠٠
ثم إنّ الفاسق قسمان : قسم فاسق غير متأوّل ، وهذا لا خلاف أنه لا يقبل خبره . وقسم فاسق متأوّل : كالجبرية والقدرية ، ويقال له : المبتدع بدعة واضحة ، وهذا قد اختلف فيه ، فمن الأصوليين من ردّ شهادته وروايته ، ومنهم من قبلهما . فأما الشهادة فلأنّ ردها لتهمة الكذب ، والفسق من حيث الاعتقاد لا يدل عليه ، بل قد يكون أمارة الصدق ، لأنّ الذي جعله يذهب مذهبه هو تعمقه في الدين ، والكذب حرام في كلّ الأديان ، ومن المبتدعة من يقول : بكفر الكاذب . وأما الرواية : فلأنّ من احترز عن الكذب على غير الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فهو على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أشدّ تحرّزا ، فهذا يجب أن يكون حالهم ما لم يظهر منهم ما ينافيه ، وعلى هذا جمهور أهل الفقه والحديث . وذهب الشافعي وبعض العلماء إلى الأول ، لأنّ الآية إنما دلّت على التثبت من قول يقوله الفاسق ، وظاهر أنّ ذلك إنما كان لأنّ الغالب في الفاسق أن يكذب ، فإذا ظهر أنه ممن لا يكذب ، فالآية لم تعرض له ، والذين تقبل شهادتهم من المبتدعة قوم يتشدّدون في الدين ، لا يبيحون الكذب ، فلم يكونوا ممن تناولته الآية الكريمة .
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 )
. يرى الزمخشري أنّ الجملة المصدّرة ( بلو ) لا تكون كلاما مستأنفا ، لأدائه إلى تنافر النظم . ولكن تكون كلاما متصلا بما قبله ، وهي هنا ( حال ) من أحد الضميرين في ( فيكم ) المستتر المرفوع ، أو البارز المجرور . والمعنى : أنّ فيكم رسول اللّه على حال يجب عليكم تغييرها ، وهي أنّكم تحاولون معه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأي ، وينزل على إرادتكم فعل المطواع لغيره ، التابع له فيما يرتئيه . وهو لو فعل ذلك لعنتم ، ووقعتم في العنت والهلاك ، يقال : فلان يتعنّت فلانا ، أي يطلب ما يؤديه إلى الهلاك . ويقال : أعنت العظم إذا هيض بعد الجبر . وقد يستفاد من هذا أنّ بعض المؤمنين كانوا يزيّنون للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الإيقاع بقوم الحارث وتصديق الوليد في نبئه ، وأنه كانت تفرط منهم نظائر ذلك من الهنات ، وأنّ فريقا منهم كان يتصوّن ، ويزعم إيمانهم ، وجدّهم في التقوى فلا يجسرون على ذلك ، وسيأتي بيان ذلك عند قوله تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ
.