وبقوله تعالى :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 )
[ التوبة : 29 ] .
ويقولون :
إنّ ما كان من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صلح الحديبية : « إنّ من جاءنا منهم رددناه عليهم » « 1 »
قد نسخ . ونهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإقامة بين أظهر المشركين ،
وقال : « من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذّمة » « 2 »
وما روي في أسارى بدر منسوخ بما تلونا .
هذه حجج الفريقين قد سقناها لك ، وإنك لترى فيها أنّ النبي فعل أشياء كثيرة مختلفة ، فمنّ
وقال : « اذهبوا فأنتم الطّلقاء »
و
قال : « من دخل دار فلان فهو آمن » .
وفي الوقت نفسه قتل جماعة من الأسرى ،
وقال : « اقتلوهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة »
وقتل يهود بني قريظة نزولا على حكم سعد بن معاذ ، وكانوا قد رضوا حكمه ، ومنّ على واحد منهم ، وفادى بالمال والمسلمين ، وترى أنّ كلّ ذلك قد كان تبعا للمصلحة الحربية ، وقد أرشد اللّه تعالى في القرآن الكريم إلى أنّ المصلحة الحربية فوق كلّ اعتبار ، انظر إلى قوله تعالى :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 )
[ الأنفال : 67 ] فقد عاتب اللّه نبيه على اتخاذ الأسرى قبل أن تقوى شوكة الإسلام ، وقبل أن يتمّ خذلان العدو وقهره .
وقد يكون في إباحة الأسر قبل الغلبة تقوية قلوب الأعداء ، إذ يقولون : ما دمنا سنكون أحياء نأكل ونشرب ، فما لنا نخضع لدعوتهم ، فيستمرّون في مناوشة المسلمين ، ومداومة حربهم كلّ يوم . أما إذا علموا أنّه لا هوادة في الحرب ، وأنهم مقتولون إن لم يؤمنوا ، وأنهم لا ملجأ لهم من اللّه إلا إليه أسلموا ، وقبلوا الدعوة ، أو أسلموا أمورهم ، وانقادوا ، وذلوا ، فلا يقومون بحرب ، ولا يقلقون راحة المسلمين ، فما لنا لا نوادعهم ، ونأسر منهم ، فنسترقّ ، ونمنّ ، ونفادي ، فانظر عظمة الإسلام ومكارمه .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 4 / 115 ) ، كتاب السير ، باب الأسارى حديث رقم ( 1568 ) ، وابن ماجة في السنن ( 1 / 689 ) ، 1 - كتاب الكفارات ، 16 - باب النهي عن النذر حديث رقم ( 2124 ) .
( 2 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 4 / 132 ) ، كتاب السير ، باب كراهية المقام حديث رقم ( 1604 ) ، وأبو داود في السنن ( 2 / 394 ) ، كتاب الجهاد ، باب النهي حديث رقم ( 2645 ) .