ثم قال : ويدل عليه اختصاص قوله تعالى :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً
وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل ، كما في نظائرها ، فعلم أنّ اللّه سبحانه إنما أفتاه بذلك جزاء له على صبره ، وتخفيفا عن امرأته ورحمة بها .
وأيضا فإنّه تعالى إنما أفتاه بهذا لئلا يحنث ، كما قال :
وَلا تَحْنَثْ
وهذا يدلّ على أنّ الكفارة لم تكن مشروعة في شريعته : بل ليس في اليمين إلا البرّ أو الحنث ، وقد كان ذلك مبررا في شريعتنا قبل شروع الكفّارة « لم يكن أبو بكر يحنث في يمين حتّى أنزل اللّه كفارة اليمين » .
وإذا كان كذلك ، يكون كأنّه نذر ضربها ، وهو نذر لا يجب الوفاء به ، لما فيه من الضرر عليها . ولا يغني عنه كفارة يمين ، لأنّ تكفير النذر فرع عن تكفير اليمين ، فإذا لم تكن كفارة النذر مشروعة إذ ذاك ، فكفارة اليمين أولى : وقد علم أنّ الواجب بالنذر يحتذى به حذو الواجب بالشرع وإذا كان الضرب الواجب بالشرع . يجب تفريقه إلّا إذا كان المضروب ميئوسا من شفائه ، فيكون الواجب أن يجتمع الضرب ، لمكان العذر .
وبعد كلام طويل قال في قصة يوسف : نحن نسأل القائلين بجواز الحيل : هل تجيزون أنتم مثل هذا في شريعتنا حتى يكون لكم أن تحتجّوا بمثله ؟ وأما مجرد وجوده في شريعة يوسف فليس ينفعكم .
قال شيخنا : ومما قد يظنّ أنّه من جنس الحيل التي بيّنا تحريمها ، وليس من جنسها قصة يوسف ، حين كاد اللّه له في أخذ أخيه ، كما قصّ ذلك في كتابه [ يوسف : 70 ] ، فإن فيه ضروبا من الحيل الحسنة :
منها : جعله بضاعتهم في رحالهم ، ليرجعوا بعد المعرفة .
ومنها : جعل السقاية في رحل أخيه ليظهره بمظهر السارق ، فيحتجزه . وقد ذكروا أنّ ذلك كان بمواطأة بينه وبين أخيه ، وعلى ذلك فليس هناك حيلة .
ثم أطال في بيان الموضوع ، ونحن نجتزئ منه بهذا .
وبعد فإنّ التحايل على إسقاط التكاليف الشرعية أمر تنفر منه الطباع ، وما ندري هل علم المحتالون أنّ حيلهم تنطلي فتسقط التكاليف أو هم قد اتخذوا عند اللّه عهدا أنه لا يجازيهم على هذا التحايل ؟ ثم من يخادعون ! ! ! التحايل في الحرب في اتقاء الظالمين أمر مقبول
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ
[ آل عمران : 28 ] أما التحايل لإسقاط التكاليف ، ولأكل الأموال من غير وجهها فما نظنّ أحدا يقول به .
وفي هذا القدر كفاية ، ونكرر الوصية بمطالعة الموضوع في مراجعه ، فإنّه نفيس ، ويكفي أن نبهناك إليه ، واللّه وليّ التوفيق .