تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 684

مساهمون:

ص٦٨٤
وقال تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 )
[ النمل : 50 ] فأخبر اللّه أنّه مكر بمن مكر بأنبيائه ورسله . وكثير من الحيل هذا شأنها ، يمكر بها على الظالم والفاجر ، ومن يعسر تخليص الحق منه ، فتكون وسيلة إلى نصر مظلوم ، وقهر ظالم ، ونصر حق ، وإبطال باطل ، واللّه تعالى قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن ، ولكن جازاهم بجنس عملهم ، وليعلّم عباده أنّ المكر الذي يتوصّل به إلى إظهار الحق ، ويكون عقوبة للماكر ، ليس قبيحا . وقد ساق ابن القيم بعد ذلك آثارا ، عن الصحابة ، وأحاديث من السنة ، وأقوالا عن السلف والأئمة ، يتمسك بها القائلون بمشروعية الحيلة ، يطول المقام بذكرها ، فنحيلك على « أعلام الموقعين » « 1 » إن أردتها . ثم أخذ يرد على هذا الذي تمسّك به القوم ، فأطال في إبداع ، ونحن نذكر هنا طرفا منه . قال : ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها ، ونبيّن ما فيه ، متحرّين العدل والإنصاف ، منزّهين لشريعة اللّه وكتابه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم عن المكر والخداع والاحتيال المحرم ، ونبيّن انقسام الحيل والطرق إلى ما هو كفر محض ، وفسق ظاهر ، ومكروه ، وجائز ، ومستحب ، وواجب عقلا أو شرعا ، ثم نذكر فصلا نبيّن فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة ، فنقول وباللّه التوفيق ، وهو المستعان وعليه التكلان : أما قوله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
فقال شيخنا : الجواب : أنّ هذا ليس مما نحن فيه ، فإنّ للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين : يعني إذا حلف ليضربنّ امرأته أو عبده مائة ضربة : أحدهما : قول من يقول موجبها الضرب مجموعا أو مفرقا ، ثم منهم من لا يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب ، فعلى هذا تكون هذه الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق ، وليس هذا بحيلة ، إنما الحيلة بصرف اللفظ عن موجبه عن الإطلاق . والقول الثاني : أن موجبه الضرب المعروف ، وإذا كان هذا موجبه لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعنا من شرائع من قبلنا ، لأنّا إن قلنا : « ليس شرعا لنا مطلقا » فظاهر ، وإن قلنا : « هو شرع لنا » فهو مشروط بعدم مخالفته شرعنا ، وقد انتفى الشرط . وأيضا فمن تأمّل الآية علم أنّ هذه الفتيا خاصة الحكم ، فإنّها لو كانت عامة الحكم في حقّ كلّ أحد لم يخف على نبي كريم موجب يمينه ، ولم يكن في قصّها علينا كبير عبرة ، فإنما يقصّ علينا ما خرج عن نظائره ، لنعتبر به ، ونستدل به على حكمة اللّه فيما قصّه علينا .
هامش
( 1 ) انظر أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم بيروت ، دار الجيل ( 3 / 290 - 403 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 684 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان