تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 646

مساهمون:

ص٦٤٦
جعل اللّه العقد خالصا للنبي ، وأضاف لفظ الهبة إلى المرأة ، وأضاف إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إرادة الاستنكاح ، فدلت المخالفة بين الجانبين على أنّ المراد مدلول اللفظ الذي فيه جانب المرأة ، وهو ما يدل عليه لفظ الهبة من ترك العوض . وأيضا فلو كانت الخصوصية راجعة للفظ الهبة لجاء في اللفظ الذي يكون في جانبه ، أما خصوصية أن يكون عقده بلفظ الهبة من جانب المرأة دون أن يكون فيه إسقاط العوض فيكاد يكون غير مقبول . ووجه آخر هو أن اللّه تعالى قال بعد ذلك :
لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ
وذلك يشير ظاهرا إلى أن الخصوصية دفعت حرجا . وقصر النكاح على لفظ النكاح أو التزويج لا حرج فيه ، إنما الحرج يكون في إلزام المهر ، لأن ذلك يلزمه مشقة السعي في التحصيل ، وهو مشغول بشؤون الرسالة ، ويرجّح هذا الذي نقوله قول اللّه تعالى في أول الآية :
آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ
حيث يكون إحلال الهبة مقابلا له ، فيكون المعنى أحللنا لك الممهورات وغير الممهورات . ثم هم يسوقون في ذلك حديثا رواه عبد اللّه بن أحمد بن حنبل عن أبيه ، عن محمد بن بشر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أنها كانت تعيّر النساء اللاتي وهبن أنفسهنّ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالت : ألا تستحي أن تعرض نفسها بغير صداق ؟ أنزل اللّه عزّ وجلّ :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ
قالت : إني أرى ربّك عزّ وجلّ يسارع لك في هواك « 1 » . ويقولون بعد ذلك أنه قد ورد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عقد على امرأة بلفظ التمليك لرجل على ما معه من القرآن ، فقال : « ملكتكها بما معك من القرآن » ، وذلك يدل على صحة عقد النكاح بلفظ يدل على التمليك ، ولفظ الهبة يدل على التمليك ، فصح عقد النكاح به . ذلك مجمل ما يقال في الاستدلال للمجيزين على ما ذهبوا إليه ، وما نراه يدل لهم . وإنا لنسألهم : أين وجدتم في الآية أنّ النكاح كان دون مهر ؟ أليس في لفظ الهبة ؟ فكيف يكون ما يدل عليه اللفظ خاصا به صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليس شيء يدل عليه إلا اللفظ ومع ذلك فأنتم لا تقولون بجواز عقد النكاح بلفظ الهبة مع بقاء معناه ، وهو ترك العوض . والذي في الآية ترك العوض مدلولا عليه بلفظ الهبة . فمن أين لكم الخصوصية في المعنى دون اللفظ ؟ ومن أين لكم أنه يجوز عقد النكاح لغير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بلفظ الهبة مع إيجاب المهر ؟ فإن كنتم تريدون أنّ عقد النكاح بلفظ الهبة يصحّ من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن غيره ، وتريدون أن تأخذوه من الآية فخذوا جواز
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 6 / 28 ) ، 65 - كتاب التفسير ، 7 - بابتُرْجِي مَنْ تَشاءُ . . .حديث رقم ( 4788 ) ، وأحمد في المسند ( 6 / 158 ) .