تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 643

مساهمون:

ص٦٤٣
أن يقال : إن القاعدة أغلبية ، وأن الآية جرت على خلاف الغالب ، ولكن من أين لهم هذه القاعدة ؟ وما الذي يضرّ لو أنّ مجموع الشرطين جعلا قيدين في الإحلال ، سبق الثاني في الوجود أو تأخر ، خصوصا وقد ذهب إلى هذا الذي نقول طائفة كبيرة من العلماء في مقدمتهم إمام الحرمين . ونحب أن نقول : إنّ أكثر العلماء على أنّ الهبة وقعت من كثير من النساء ، وقد وردت روايات كثيرة في أشخاص الواهبات . غير أنّهم مع ذلك يصحّحون أنّه لم يكن تحته صلّى اللّه عليه وسلّم امرأة وهبت نفسها . وقد أخرج ابن سعد أنّ ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ووهب نساء أنفسهنّ ، فلم نسمع أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل منهن أحدا . وقد روى ابن جرير « 1 » وغيره عن ابن عباس أنه قال : لم يكن عند النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم امرأة وهبت نفسها . وأما قوله تعالى :
خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
فقد ذهب بعضهم إلى أن ( خالصة ) منصوب على المصدرية . وقد جاء المصدر على هذا الوزن كثيرا : كالعافية ، والكاذبة . ثم هو يرجع إلى إحلال الواهبة ، أي أحللنا لك الواهبة يخلص لك ذلك خلوصا . وذهب بعضهم إلى أن ( خالصة ) حال من امرأة ، أي أحللنا لك امرأة وهبت نفسها حال كونها خالصة لك ، لا تحل لأحد بعدك . ويرى البعض أنه راجع إلى جميع المحللات ، والمعنى أحللنا لك كلّ ما تقدم على أن تختص بهن ، لا يكون لأحد بعدك أن ينكحهن . وأما قوله تعالى :
قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
فهو جملة اعتراضية جيء بها لتوكيد مضمون الجملة قبلها . والمعنى : أن ما ذكرناه حكمك مع نسائك ، وأما حكم أمتك مع نسائهم ، فعندنا علمه ، نبينه لهم على حسب ما تقضي به الحكمة والمصلحة في شأنهم . واحتيج إلى هذا هنا حتى لا يظنّ أنّ ما جاز للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أزواجه من الشؤون يجوز لأمته ، وقد كان للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في النكاح وفي التسري خصائص ليست لغيره ، فهو يزيد في النساء إلى التسع ، وغيره لا يباح له الزيادة على الأربع ، واختص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بنكاح الواهبات دون الناس . والذي فرضه اللّه على الناس في أزواجهم ألا يجاوزوا أربعا من النساء ، والولي ، والشهود ، والمهر ، والنفقة ، والكسوة ، على ما في بعض ذلك من خلاف بين الفقهاء .
هامش
( 1 ) في تفسيره جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري ( 22 / 17 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 643 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان