الشهادات ، ومنهم من قال : هي أيمان غلبت فيها أحكام الأيمان ، وسيأتي بيان ثمرة الخلاف في ذلك .
وظاهر قوله تعالى :
إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
أنه استثناء متصل . وقيل : إن ( إلا ) بمعنى ( غير ) ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية ، فإنّ ( إلا ) و ( غير ) يتعاوران الاستثناء والوصفية ، فتكون ( غير ) للاستثناء حملا على ( إلا ) وصفة حملا على ( غير ) ومن العلماء من جعل الاستثناء هنا منقطعا لظهور أن الزوج ليس من البينة التي كان يصحّ أن يستشهدها لو وجدها . وأولى الأقوال في هذا الاستثناء أنه متصل ، وأن فيه تغليب الشهداء حتى شملوا الزوج القاذف ، والسر في هذا التغليب الإشارة من أول الأمر إلى اعتبار قوله ، وعدم إلغائه ، ليوافق ما آل إليه اللعان في آخر الأمر من اعتبار قوله في سقوط الحد عنه بكلماته وحدها .
واللعن : الطرد من رحمة اللّه والغضب : السخط ، وهو أشد من اللعن ، فلذلك أضيف الغضب إلى المرأة لما أنّ جريمتها وهي الزنى أشد من جريمة الرجل ، وهي القذف .
والدرء : الدفع ، ومنه
فَادَّارَأْتُمْ
[ البقرة : 72 ] : تدافعتم . والعذاب : كل مؤلم ، والمراد به هنا حدّ الزنى أو التعزير بالحبس ونحوه ، على اختلاف الرأيين كما ستعلم .
سبب نزول آيات اللعان
ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآيات روايات
فأخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس « 1 » رضي اللّه عنهما أنّ هلال بن أمية رضي اللّه عنه قذف امرأته عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشريك بن سحماء فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « البينة أو حدّ في ظهرك » فقال : يا رسول اللّه ! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ، فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « البينة أو حدّ في ظهرك » فقال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن اللّه تعالى ما يبرئ ظهري من الحد ، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام ، وأنزل عليه .
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ
حتى بلغ
إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ
فانصرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأرسل إليهما ، فجاء هلال فشهد ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اللّه يعلم أنّ أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ؟ » ثم قامت فشهدت ، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا لها : إنّها موجبة . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما فتلكأت ونكصت ، وظننا أنها ترجع ، ثم قالت : واللّه لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبصروها . فإن
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 6 / 5 ) ، 65 - كتاب التفسير ، 3 - باب ( ويدرأ عنها العذاب ) حديث رقم ( 4747 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 309 ) ، كتاب التفسير ، تفسير سورة النور حديث رقم ( 3179 ) ، وأبو داود في السنن ( 2 / 253 ) ، كتاب الطلاق ، باب في اللعان حديث رقم ( 2254 ) .