تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
وحكم أبو بكر الصديق بقتل اللائط ، وكتب به إلى خالد بن الوليد بعد مشاورة الصحابة . ونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أنّ حدّ اللواط القتل ، وإنما اختلفوا في كيفيته : فمنهم من قال : يرمى من شاهق ، ومنهم من قال : يهدم عليه حائط ، ومنهم من قال : يقتل رميا بالحجارة . هذا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في أن السحاق لم يشرع فيه إلا التعزير . وأما إتيان البهائم ففي رواية عن أحمد أنه كاللواط ، عقوبته القتل ، وهو قول مرجوح عند الشافعية . والصحيح أنّه ليس فيه إلا التعزير .

صفة الجلد

قوله تعالى :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
قد تأوّله جماعة على أنّه نهي عن التخفيف في الجلد ، وتأوله آخرون على أنه نهي عن ترك الحد وإسقاطه ، ولا مانع عندنا من أن يكون اللفظ منتظما للمعنيين ، أي لا ترأفوا بهما فتسقطوا الحد عنهما أو تخففوه ، بل الواجب استيفاؤه كاملا غير منقوص وإذا ضم ذلك إلى ما يفهم من قوله تعالى :
فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
أي اضربوا جلدها ضربا لا يتجاوز الألم فيه الجلد إلى اللحم كان المطلوب بمجموع اللفظين أن يكون الجلد على حد الاعتدال . روى عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال : أتي عمر بسوط فيه شدة ، فقال : أريد ألين من هذا ، فأتي بسوط فيه لين ، فقال : أريد أشدّ من هذا ، فأتي بسوط بين السوطين فقال : اضرب ولا يرى إبطك ، وأعط كل عضو حقه ، وروي مثل ذلك عن ابن مسعود وعلي وأنس بن مالك رضي اللّه عنهم . واتفق العلماء جميعا على أنّ الضارب يتقي الوجه والفرج . وروي عن علي كرّم اللّه وجهه استثناء الرأس أيضا ، وبه قال أبو حنيفة ومحمد . وينبغي أن ينزع عن المحدود ما يمنع من الثياب أن يصل إليه ألم الضرب ، كالحشو والفراء ، لأنّ الضرب فوق الحشو والفرو لا يسمّى ضربا في العادة ، ألا ترى أنّه لو حلف أن يضرب فلانا فضربه وعليه حشو أو فرو فلم يصل إليه الألم أنه لا يكون ضاربا ولم يبر في يمينه ، ولو وصل إليه الألم كان ضاربا .

تحريم الشفاعة في الحدود

قلنا إن قوله تعالى :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
معناها النهي عن تخفيف الحد وإسقاطه ، فيكون في ذلك دليل على أنّه لا تجوز الشفاعة في إسقاط حد الزنى ، لأنّ فيه تعطيلا لحدود اللّه أن تقام ، وليس ذلك لخصوصية في الزنى ، بل مثله سائر الحدود تحرم الشفاعة فيها ، فقد صحّ أنه عليه الصلاة والسلام أنكر على حبّه