أسامة بن زيد حين شفع في فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية ، وكانت سرقت قطيفة أو حليا ،
فقال له : « أتشفع في حد من حدود اللّه تعالى » ثم قام فاختطب فقال : « إنما أهلك الذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم اللّه لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » أخرجه الخمسة « 1 » .
و
عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من حالت شفاعته دون حدّ من حدود اللّه تعالى فقد ضادّ اللّه عزّ وجلّ » أخرجه أبو داود « 2 » .
وكما تحرم الشفاعة في الحدود يحرم على الإمام قبول الشفاعة فيها ، فعن الزبير بن العوام رضي اللّه عنه أنه لقي رجلا قد أخذ سارقا يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله ، فقال : لا حتى أبلغ به إلى السلطان ، فقال الزبير :
إنما الشفاعة قبل أن يبلغ السلطان ، فإذا أبلغ السلطان لعن الشافع والمشفع . أخرجه مالك « 3 »
وفي رواية أنّه قال : إذا بلغ الحد إلى الإمام فلا عفا اللّه عنه إن عفا .
وأما قوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فالغرض منه التهييج والإلهاب والحث على الامتثال كما يقال للرجل : إن كنت رجلا فافعل كذا ، ولا شكّ في أنه رجل ، كذلك المخاطبون لا شك في أنّهم مؤمنون ، لكن قصد تهييجهم ، وتحريك حميتهم ، ليجدّوا في طاعة اللّه تعالى ، ويجتهدوا في إجراء أحكامه على وجهها ، وفي ذكر اليوم الآخر تذكير لهم بما فيه من العقاب ليستأصلوا عاطفة اللين في استيفاء حدود اللّه تعالى ،
وفي الحديث : « يؤتى بوال نقص من الحد سوطا فيقال له ، لم فعلت ذاك ؟ فيقول :
يا رب رحمة بعبادك ، فيقول له : أنت أرحم بهم مني ، فيؤمر به في النار » .
حضور الحد
ظاهر الأمر في قوله تعالى :
وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
يقتضي وجوب الحضور على طائفة من المؤمنين ، لكنّ الفقهاء أجمعوا على أنّ حضور الجمع
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 3 / 1415 ) ، 29 - كتاب الحدود ، 2 - باب قطع السارق ، حديث رقم ( 1688 ) ، والبخاري في الصحيح ( 2 / 21 ) ، 86 - كتاب الحدود ، 13 - باب كراهية الشفاعة حديث رقم ( 6788 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 4 / 29 ) ، كتاب الحدود ، باب كراهية أن يشفع في الحدود حديث رقم ( 1430 ) ، والنسائي في السنن ( 7 - 8 / 439 ) ، كتاب قطع السرقة ، باب ذكر المخزومية حديث رقم ( 4895 ) ، وابن ماجة في السنن ( 2 / 851 ) ، 20 - كتاب الحدود ، 6 - باب الشفاعة حديث رقم ( 2547 ) .
( 2 ) رواه أبو داود في السنن كتاب الأقضية ، باب فيمن يعين حديث رقم ( 3597 ) .
( 3 ) رواه مالك في الموطأ كتاب الحدود ، باب ترك الشفاعة حديث رقم ( 834 ) .