. « إنّ اللّه ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته » « 1 » .
ويصحّ أن يكون متصلا بما قبله مباشرة ، وذلك أنه تعالى لما بيّن مناسك الحج ، وما فيه من المنافع ، وكان في ذلك مزيد إلهاب وتشويق لنفوس المسلمين إلى البيت الحرام ، والوقوف بالمشاعر العظام ، ولكن أنّى لهم ذلك ، وقد صدّهم المشركون ، ووقفوا سدا منيعا دون إرواء هذه النفوس المتعطشة إلى رؤية هذا الحرم المقدس ، الذي عاشوا طوال حياتهم في ظلّه وتحت حمايته ، والذي عزّ عليهم فراقه ، ولم ينقطع حنينهم إليه ، والذي كان قلب الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه معلّقا به ، حتى إنه نظر إليه حين خروجه من مكة
وقال : « واللّه إنّك لأحبّ أرض اللّه إليّ ، وإنك لأحبّ أرض اللّه إلى اللّه ، ولولا أنّ أهلك أخرجوني منك ما خرجت » « 2 »
وإذا ذاك توجهت قلوبهم إلى ربّ هذا البيت ، واستشرفت نفوسهم إلى عون اللّه ونصره وحماية بيته من عدوان المعتدين ، وتخليصه من أيدي الجبابرة الظالمين ، وذلك قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا
توطينا لنفوسهم ، وتقوية لعزائمهم ، وإعدادا لهم للجهاد والقتال الذي سيكون به تحقيق آمالهم ، وتحرير أوطانهم وعقائدهم .
وعلى كلّ فهو وعد من اللّه عزّ وجلّ ، وبشارة للمؤمنين بنصر اللّه لهم ، وتمكينهم من عدوهم ، وكف بوائقه عنهم ، وفي ضمنه وعيد شديد ، وتهديد للمشركين بقهرهم وخذلانهم وكسر شوكتهم وزوال دولتهم ، وفيه تمهيد وتوطئة لمشروعية الجهاد .
هذا وصيغة المفاعلة في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ
إما للمبالغة في الدفع ، أو للدلالة على تكرره فقط ، لأنّ صيغة المفاعلة تدلّ على تكرر الفعل وحصوله من الجانبين ، وقد تجرّد عن معنى حصوله من الجانبين ، فتبقى دلالتها على التكرر من جانب واحد كالممارسة ، أي أنه تعالى يبالغ في دفع غائلة المشركين وبأسهم مبالغة لا تدع لهم غائلة من غوائلهم ، أو أنه تعالى يدفع بأسهم وغوائلهم مرة بعد مرة حسبما يتجدد ذلك منهم ، كقوله تعالى :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
[ المائدة : 64 ] .
قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
نفي المحبة كناية عن البغض ، وأوثر ( لا يحب ) على ( يبغض ) تنبيها على مكان التعريض ، وأن المؤمنين هم أحباء اللّه وأولياؤه .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 4 / 1997 ) ، 45 - كتاب البر ، 15 - باب تحريم الظلم حديث رقم ( 59 / 2583 ) ، والبخاري في الصحيح ( 5 / 255 ) ، 65 - كتاب التفسير ، 5 - بابوَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَحديث رقم ( 4686 ) .
( 2 ) انظر مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي حديث رقم ( 5499 ) وقال روى الترمذي بعضه ، ورواه أبو يعلى ورجاله ثقات .