تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
الحكم كلي ، وحاصله أنه قد يعدل بحسب الظاهر عما يدل على عموم السلب إلى ما يفيد سلب العموم ظاهرا ، وإن كان السلب عاما بحسب الحقيقة تعريضا بأنّ المخاطبين شرّ هذا النوع ، كما جاء في الآية الكريمة :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
تعريضا بما نزلت فيهم من الأعداء بأنّ محبة اللّه تعالى لا تنالهم بأي وجه من الوجوه ، وأنّه لو تعلّقت محبة اللّه بخائن كافر فإنّها لا تتعلق بأولئك ، لأنهم شر هذا النوع ، ولا يخفى عليك أن بناء الحكم على أبعد الفروض والاحتمالات أبلغ وأقوى ، لأن بناءه على تلك الصورة يجعل السامع لا يتطرق إليه أي احتمال آخر في خلاف الحكم . قال اللّه تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 )
الإذن معناه الترخيص ، فهو للإباحة بعد الحظر ، وقرئ كلّ من
أُذِنَ
و
يُقاتَلُونَ
بالبناء للمفعول وبالبناء للفاعل . هذه هي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية ، على ما روى الحاكم في « المستدرك » عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . وأخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري وكذا النسائي بإسناد صحيح عنه موقوفا عن عائشة رضي اللّه عنها . وأخرج أحمد والترمذي وحسّنه والنسائي وابن سعد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : لما خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم ليهلكنّ ، فنزلت :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
. قال ابن عباس : فهي أول آية نزلت في القتال « 1 » . وأخرج ابن جرير عن أبي العالية : أول آية نزلت فيه
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
[ البقرة : 190 ] . وفي « الإكليل » للحاكم أنّ أوّل آية نزلت فيه :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
. والظاهر الأول ، وبه قال كثير من السلف كابن عباس ؛ ومجاهد ، والضحاك ؛ وعروة بن الزبير ؛ وزيد بن أسلم ؛ ومقاتل ؛ وقتادة وغيرهم ، ويؤيده أيضا ذكرها بعد الوعد بالمدافعة والنصر . المفردات :
أُذِنَ
المقصود به إباحة القتال ومشروعيته على القول الأول ، وحكاية الإذن الحاصل من قبل توطئة لبيان أسباب المشروعية وغايتها على القول الثاني .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 305 ) ، كتاب التفسير حديث رقم ( 3171 ) ، والنسائي في السنن ( 5 - 6 / 309 ) ، كتاب الجهاد ، باب وجوب الجهاد حديث رقم ( 3085 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 216 ) ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ( 2 / 52 ) .