تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
دينه ، ودليلا على طاعته ، ففي سوقها للحرم ، ونحرها هناك ، خير عظيم ؛ وثواب كبير ، يناله أصحابها في الآخرة . وهكذا ترى أننا قد حملنا الخير هنا على الثواب الأخروي . والمنافع فيما تقدم على حظ الدنيا ، ليكون الكلام كما قلنا مفيدا فائدة جديدة ، وقد رتّب اللّه سبحانه وتعالى الأمر بذبحها ، أو الأمر بذكر اسمه الكريم عند الذبح على ما قبله من جعلها شعائر . أو على قوله :
لَكُمْ فِيها خَيْرٌ
وأنه تعالى يمتنّ أيضا على عباده في هذه البدن ، فأباح لهم إذا نحروها أن يأكلوا منها ، وأن يتصدقوا على الفقراء ، السائل منهم وغير السائل . ثم ختم اللّه سبحانه وتعالى الآية بقوله :
كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
ومعناه سخرنا هذه البدن ، وذللناها لكم ، وأخضعناها لتصريفكم مع ضخامتها وقوتها التي بها ، كان يمكن أن تتأبّى عليكم فلا تعطيكم قيادها ، أو تندّ منكم فتتأبد تأبد الوحوش . فاللّه جلت قدرته قد سخّرها لكم ذلك التسخير العجيب ، وسهل لكم أن تقفوها صواف ، وأن تعقلوها ، وتضربوا في لباتها ، فتقع على جنوبها صريعة ، وعلى هذا تكون الكاف صلة في قوله :
كَذلِكَ
، ويكون مآل القول سخرناها لكم ذلك التسخير البديع . ويصحّ أن تبقى الكاف على معناها مفيدة للتشبيه ، ويكون ذلك من تشبيه الشيء بنفسه مبالغة ، كأن ذلك التسخير بلغ في عظمه وغرابته مبلغا فاق به كلّ عجيب ، حتى إذا أريد تشبيهه بشيء كان لا بدّ أن يردّ إلى نفسه فيشبه بها . وقيل : إنّ المشبه به هو تسخيرها ، حين تكون صواف معقولة إحدى القوائم ، والمشبه هو تسخيرها من قبل في ركوبها والحمل عليها ، وغير ذلك من سائر وجوه الانتفاع . وجملة القول : إنّها نعمة جليلة ، ومنّة عظيمة تستوجب من العباد أن يشكروا اللّه عليها ، ويصرفوا ما أنعم به عليهم في الوجوه التي رسمها لهم الدين الحنيف . فقوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
تعليل لما قبله . وكلمة ( لعل ) فيه ليست للرجاء الذي هو توقع الأمر المحبوب ، لأنّه مستحيل على اللّه تعالى من حيث أنه ينبئ عن الجهل بعواقب الأمور . قال ابن الأنباري « 1 » : إنّ لعلّ ترد بمعنى كي في لسان العرب ، واستشهد على ذلك بقول من يراه حجة :
فقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا * نكفّ ووثقتم لنا كلّ موثق
فإنّ توثيق العهد بإنهاء الحرب لا يستقيم معه أن يكون معنى ( لعلنا ) الرجاء وتوقع الكف ، إنما الذي يصلح له ذلك أن تكون لعلّ بمعنى كي .
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بن محمد ، أبو البركات ، مؤرخ ، وأديب ولغوي كان زاهدا عفيفا ، خشن العيش والملبس سكن بغداد وتوفي فيها سنة ( 577 ) انظر الأعلام للزركلي ( 3 / 327 ) .