قد يقال : أنّ وصف المخبتين في هذه الآية بأنّهم الذين يجلون عند ذكر اللّه يخالف ما وصفوا به في قوله عزّ اسمه :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
[ الرعد : 28 ] فما هذا ، وكيف يكون التوفيق بين آيتين إحداهما تثبت أنّ ذكر اللّه موجب للخوف والوجل ، والأخرى تصرّح بأن ذكر اللّه يوجب سكون القلوب واطمئنانها ، وزوال ما قد يعتريها من خوف وفزع
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرعد : 28 ] .
والجواب أن الاطمئنان والوجل أمران يجدهما المؤمن المتقي ، ويشعر بهما في قلبه في حالتين متمايزتين ، ولسببين مختلفين ، فهو إذا استحضر وعيد اللّه امتلأت نفسه هيبة ، واقشعر جلده ، ووجف قلبه ، وخاف عذاب الآخرة ، ثم إذا لمح جانب الوعد الكريم ، واستحضر رحمة اللّه وسعة عفوه اطمأن قلبه ، وسكن روعه ، وصدق قول اللّه تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
فالحالة الثانية حالة الوعد والأولى حالة الوعيد ، وأيضا فإنّ المؤمن كثيرا ما تصادفه في هذا الدنيا عقبات وشدائد ، إذا عرضت لضعيف الإيمان واهن العزيمة اضطرب لها قلبه ، وانشعب منها فؤاده ، واستولى عليه الفزع والهلع . أما المؤمن الصادق فإنه يرجع بها إلى اللّه ، ويستعين عليها بذكر اللّه ، فيرتاح لكل ما يجري به قضاؤه وقدره ، فهذه حالة السكون والاطمئنان إلى ذكر اللّه .
أما خوفه ووجله فهو لكون تقصيره فيما عليه من موجبات العبودية للواحد القهار ، وهذا الخوف تلتهب له نفسه ، ويرتجف له جنانه .
يؤخذ من الآية : أن التقوى ، والخشية ، والصبر على المكاره ، والمحافظة على الصلاة ، والرحمة بالفقراء ، والإحسان إليهم ، من أعظم ما ينال به العبد رضا اللّه تعالى ، لما لها من الشأن العظيم ، إذ عليها يقوم صلاح العباد والبلاد .
قال اللّه تعالى :
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 36 )
( البدن ) جمع بدنة ، وهي اسم للواحد من الإبل ذكرا أو أنثى ، سميت بذلك لعظم بدنها . وقد اشتهر إطلاقها في الشرع على البعير يهدى إلى الكعبة ، وقد تطلق البدنة على البقرة أيضا لما أنها تجزئ في الهدي والأضحية عن سبعة كالبعير .
قال الحنفية : إن البدنة صارت من قبل المشترك في المعنيين ، فمن نذر بدنة أجزأته بقرة . وبذلك قال عطاء وسعيد بن المسيب .
روى مسلم « 1 » عن جابر رضي اللّه عنه أنه قال : كنّا ننحر البدنة عن سبعة :
فقيل : والبقرة ؟ قال : وهل هي إلا من البدن .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 2 / 955 ) ، 15 - كتاب الحج ، 62 - باب الاشتراك حديث رقم ( 353 / 1318 ) .