تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
يعظّم الأنعام التي يسوقها للحرم ، فيختارها سمانا حسانا ، فإن تعظيمه إياها لا محالة ناشئ من التقوى الحقيقية ، ودليل على أنه يخشى اللّه خشية تمكّنت من قلبه ، فهو بتعظيمها قد جمع بين مظهر الخشية وحقيقتها ، فعمله هذا هو عمل المخلصين ، وليس كعمل المنافقين ، الذين يأتون بصور الأعمال من غير أن يكون في قلوبهم شيء من الإخلاص . يدل على هذا إضافة التقوى إلى القلوب . ولا شك أن الإخلاص والتقوى والخشية هي غاية ما يتمنى الإنسان أن يدركه في هذه الدنيا ، ليصل به إلى سعادة الآخرة . وإخبار اللّه تعالى بثبوت التقوى لمن عظّم تلك الشعائر من شأنه أن يحرك الناس ، ويبعثهم على الاهتمام بأمرها ، والعناية بتخيرها ، والفرح بسوقها . ويؤكد هذا المعنى إضافة هذه الشعائر إليه تعالى . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب أي حلقة من ذهب . وروي أن عمر رضي اللّه عنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار . وكان قد سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك ، وقال : بل أهدها ، وكان ابن عمر رضي اللّه عنهما يسوق البدن مجلّلة بالقباطي ، فيتصدق بلحومها وجلالها . قال اللّه تعالى :
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 )
مَنافِعُ
الظاهر أنّ المراد بها المنافع الدنيوية من الركوب والدّر والصوف والوبر ، ليكون قوله تعالى :
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ
مفيدا معنى جديدا . فإنّ الخير ظاهر في ثواب الآخرة ، فيكون في الأنعام التي تساق هديا إلى الكعبة منافع دنيوية ومنافع أخروية . أما الأجل المسمى فقد اختلف في معناه ، فقال الإمام الشافعي : إنّه وقت نحرها ، وهو مروي عن عطاء . وقال الحنفية : إنه وقت تعيينها وتسميتها هديا ، كما روي عن ابن عباس ؛ وابن عمر ؛ ومجاهد ، وقتادة . والمحل بالكسر من حلّ الشيء يحلّ بالكسر حلولا إذا وجب ، أو انتهى أجله ، وفي الحديث : « حلّت له شفاعتي » « 1 » وجبت . ويقال : حل الدين : انتهى أجله ، فالمحل في الآية مكان الحلول ، أي المكان الذي ينتهي فيه أجل تلك الأنعام ، أو المكان الذي يجب ذبحها فيه .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 1 / 171 ) ، 10 - كتاب الأذان ، 8 - باب الدعاء حديث رقم ( 614 ) .