تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود « 1 » أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « عدلت شهادة الزور الإشراك باللّه » ثلاثا ، وتلا هذه الآية .
حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
الحنيف المائل عن الديانات الباطلة إلى الدين الحق ، مأخوذ من الحنف بالتحريك وهو الميل ، وقد اشتهر عند العرب إطلاق الحنيف على كل متمسك بدين إبراهيم عليه الصلاة والسلام . والمعنى : اجتنبوا الرجس من الأوثان ، واجتنبوا قول الزور حال كونكم ثابتين على الدين الحق ، مخلصين للّه في العبادة ، من غير أن تجعلوا لغيره معه شركة فيها . فهما حالان مؤكّدتان لما قبلهما من الاجتناب .
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
.
خَرَّ
. معناه سقط من علو .
فَتَخْطَفُهُ
تختلسه بسرعة وقوة . وهذه الجملة مستأنفة مقرّرة لوجوب اجتناب الشرك . والمعنى : أن من جعل للّه شريكا فقد حق عليه الخسار والبوار ، وهو في شركه شبيه به إذا سقط من جو السماء ، فاجتمعت عليه الطيور الجارحة ، فمزقته ، وذهب كل منها بقطعة منه ، فتمّ بذلك هلاكه . وظاهر على هذا أن التشبيه من باب تشبيه التمثيل ، ويصح أن يكون تشبيها مفرقا .
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
، هوى يهوي سقط من علو . وهوى به أسقطه . والسحيق : البعيد ، ماضيه سحق كبعد . هذا تشبيه ثان لمن أشرك باللّه ، والعطف فيه إما على قوله :
خَرَّ مِنَ السَّماءِ
أو على
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
والمعنى أنّ حال المشرك في شركه ، وما يؤدي إليه من سوء العاقبة ، شبيهة بحاله إذا أخذته ريح عاصفة ، فقذفت به في مهوى عميق ، لا يكون له منه خلاص ولا نجاة ، أو أنّ حاله في ذلك شبيهة بحاله إذا خرّ من السماء ، فعصفت به الريح ، وهوت به في مكان سحيق . والتشبيه على هذين الوجهين تشبيه تمثيل ، ويصح أن يكون تشبيها مفرقا أيضا ، فيشبه الشيطان الذي يضله ويغويه بالريح التي تهوي به وترديه ، ويشبه الشرك بالوادي
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 3 / 298 ) ، كتاب الأقضية ، باب في شهادة الزور حديث رقم ( 3599 ) ، وأحمد في المسند ( 4 / 321 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 4 / 475 ) ، كتاب الشهادات ، باب في شهادة الزور حديث رقم ( 2300 ) وابن ماجة في السنن ( 2 / 794 ) 13 - كتاب الأحكام ، 32 - باب شهادة الزور حديث رقم ( 2372 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 501 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان