تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
ومعلوم أنّ الرجاء المستفاد من عسى لا يصح أن يكون صادرا من اللّه ، لأنّ حقيقته ظنّ بحصول أمر وقعت أسبابه ، واتخذت وسائله من مبتغيه . ويستنبط من الآيتين أمور : 1 - أنّ أعمال البر الصادرة من المشركين لا تجلب لهم ثوابا في الآخرة ، ولا تدفع عنهم عذابا . 2 - أن كل ما اتصف بالإيمان ، وما عطف عليه من الأوصاف المتقدمة فهو الجدير دون غيره بأن يقبل اللّه منه عمارة مساجده . 3 - أخذ بعضهم من قوله تعالى :
وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ
أنه ينبغي لمن بنى مسجدا أن يخلص للّه في بنائه بحيث لا يكون الباعث له على بنائه رياء ولا سمعة . 4 - يؤخذ من التعبير بعسى في جانب المؤمنين قطع طماعية المشركين في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها ، وافتخروا بها ، حيث بيّن اللّه تعالى أن حصول الاهتداء لمن آمنوا باللّه ، ولم يخشوا غيره دائر بين لعل وعسى . وإذا كان حال المؤمنين هكذا فلا يليق بالمشرك أن يرجو لنفسه الهداية والفوز بالخير فضلا عن قطعه بذلك . 5 - التنويه بفضل عمارة المساجد وقد ورد في عمارة المساجد الحسية والمعنوية أحاديث كثيرة : ومنها ما رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم وغيرهم من حديث أبي سعيد رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ، وتلا
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ
» الآية « 1 » وهو نص في العمارة المعنوية ، كما أنّ الحديث الأول نص في الحسية . قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 28 )
الأكثرون على أن لفظ المشركين خاصّ بعباد الأوثان . وقال قوم : يتناول جميع الكفار ، ويدل لهذا القول قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] أي لا يغفر أن يكفر به ، وهذا هو الظاهر .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 14 ) ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في حرمة الصلاة ، حديث رقم ( 2617 ) ، وأحمد في المسند ( 3 / 68 ) ، وابن ماجة في السنن ( 1 / 263 ) ، 4 - كتاب المساجد ، 19 - باب لزوم المساجد حديث رقم ( 802 ) .