المقرّبة من رضاه ، الموصلة إلى ثوابه . والوسيلة فعلية بمعنى ما يتوسل به ، أي يتقرب ، وليست مصدرا ، ولذا تعلّق بها ما قبلها ، وهو ( إليه ) .
قال العلامة أبو السعود « 1 » : ولعلّ المراد بها الاتقاء المأمور به ، فإنّه ملاك الأمر كله ، كما أشير إليه ، وذريعة لنيل كل خير ، ومنجاة من كل ضير . فالجملة حينئذ جارية مما قبلها مجرى البيان والتأكيد ، أو مطلق الوسيلة وهو داخل فيها دخولا أولياء .
وقيل : الجملة الأولى أمر بترك المعاصي ، والثانية أمر بفعل الطاعات .
ولما كان فعل الحسنات وترك السيئات شاقا على النفس الداعية إلى اللذات الحسية ، المخالفة للعقل الداعي إلى الفضائل أردف اللّه تعالى هذا التكليف بقوله :
وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
.
قال الإمام فخر الدين « 2 » : وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية ، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها ، وهو : أن من يعبد اللّه تعالى فريقان : منهم من يعبد اللّه لا لغرض سوى اللّه ، ومنهم من يعبده لغرض آخر ، والمقام الأول هو المقام الشريف العالي ، وإليه الإشارة بقوله :
وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ
أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته ، والمقام الثاني دون الأول ، وإليه الإشارة بقوله :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه ، والفوز بالمحبوب .
قال اللّه تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 )
أوجب اللّه تعالى في الآية السابقة قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة ، وبيّن في هذه الآية أنّ أخذ المال على سبيل السرقة يوجب القطع أيضا ، وإن كان بينهما اختلاف ما .
قيل : نزلت هذه الآية في طعمة بن أبيرق حين سرق درع جار له ، يدعى قتادة بن النعمان في جراب دقيق ، به خرق ، وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي ، فتناثر الدقيق من بيت قتادة إلى بيت زيد ، فلما تنبه قتادة للسرقة التمسها عند طعمة فلم توجد ، وحلف ما أخذها ، وما له بها علم ، ثم تنبهوا إلى الدقيق المتناثر ، فتتبعوه حتى وصل إلى بيت زيد ، فأخذوها منه ، فقال : دفعها إليّ طعمة ، وشهد ناس من اليهود بذلك ، وهمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجادل عن طعمة ، لأنّ الدرع وجد عند غيره ، فنزل قوله تعالى ،
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
[ النساء : 107 ] ثم نزلت هذه الآية لبيان حكم السرقة ، وفرّ طعمة ، ومات أثناء فراره .
هامش
( 1 ) في تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ( 3 / 32 ) .
( 2 ) في تفسيره مفاتيح الغيب والمعروف أيضا بالتفسير الكبير ( 11 / 220 ) .