الثاني : التيمم بدل عن الوضوء في الحدث الأصغر باتفاق ، وأما كونه بدلا عن الغسل في الحدث الأكبر فهو محل خلاف بين السلف ، فالمروي عن عليّ وابن عباس والحسن وأبي موسى والشعبي ، وهو قول أكثر الفقهاء أنه بدل عنه أيضا ، فيجوز التيمم لرفع الحدث الأكبر .
والمرويّ عن عمر وابن مسعود أنه ليس بدلا عن الغسل ، فلا يجوز التيمم له لرفع الحدث الأكبر .
الثالث : يؤخذ من الآية أنّ الطهارة لا تجب إلا عند الحدث ، لأنها تضمنت أن التيمم بدل عن الوضوء والغسل ، وقد أوجبه اللّه على مريد الصلاة متى جاء من الغائط ، أو لامس النساء ، ولم يجد الماء ، وهو يدلّ على أن الطهارة بالماء واجبة على مريد الصلاة متى جاء من الغائط أو لامس النساء أيضا ، لأنّ البدل لا يخالف الأصل إلا بدليل ، ولم يوجد فلا تجب الطهارة إلا عند الحدث .
ودلت الآثار الصحيحة على أنّ الريح والمذي والودي ينقض الوضوء كالبول والغائط .
قال اللّه تعالى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 )
لما ذكر اللّه فيما سبق التكاليف التي كلّف بها المؤمنين أردفه بما يوجب عليهم القبول والثبات ، عليه ، وهو منحصر بحسب ما ذكره في أمرين :
الأول : نعمة اللّه عليهم .
والثاني : الميثاق الذي أخذ عليهم بالسمع والطاعة لكل ما يلقى عليهم ، والتزموا قبوله والعمل به .
أما الأول : فلأنّ الإنعام يوجب على المنعم عليه تعظيم المنعم ، وإجلاله ، والتودد إليه بفعل ما يرضيه ، واجتناب ما يغضبه ، خصوصا إذا كان الإنعام وافرا ، والإحسان جما .
وإنما وحّد النعم ليشير إلى أنّ التأمل في جنس النعم كالنظر إلى الحياة والصحة والعقل والهداية وحسن التدبير والصون عن الآفات والعاهات ، فجنس هذه النعم لا يقدر عليه غير اللّه تعالى ، فيكون وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل .
وإنما قال :
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
وهو يشعر بنسيانها ، مع أن مثلها لا ينسى ، خصوصا إذا لوحظ أنها متواترة في جميع الأزمان ، للإشارة إلى أنه لكثرة هذه النعم وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد الذي لكثرة وجوده قد يغفل المرء عنه .