تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
ورجح الحنفية والمالكية حملها على الابتداء ، وتمييز الجنس ، لما ورد في الأحاديث الكثيرة التي ترشد إلى آداب التيمم من أنّ المتيمم ينفض يديه ، ليتناثر التراب ، فيمسح وجهه ويديه من غير تلويث ، ولما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام تيمم على حائط بضربتين للوجه واليدين « 1 » والظاهر أنه لا يعلق على يديه شيء من التراب .
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ
. الحرج : الضيق ، ولما بيّن اللّه تعالى فيما سبق أنه متى لم يتمكن المتطهر من استعمال الماء جاز له أن يتيمم ، وكان في هذا تيسير عظيم على المسلمين ، أعقبه بهذه الآية ليدل على فضله تعالى وعظيم إحسانه بطريق الصراحة ، والمعنى أنّ اللّه وسّع عليكم فأمركم بالطهارة بالماء عند وجوده ، وبالطهارة بالتراب عند عدمه ، لأنّه تعالى لم يرد أن يضيّق عليكم بالتزام حال واحدة في حال اليسر والعسر ،
وَلكِنْ يُرِيدُ
هذه التكاليف
لِيُطَهِّرَكُمْ
من الأدران ، وينظفكم من الضعف والكسل والفتور الذي يعتري الجسم من حين لآخر ، كالذي يكون عند القيام من النوم ، وعند اندفاع الخبث وسيلان الدم والقيء ، وما أشبه ذلك . وينظفكم أيضا من الأدران النفسية ، كالتمرد وعدم الامتثال ، فإنّ المتمرد ربما يزعم أنّ أعضاء الوضوء مثلا نظيفة لم تصب بشيء من النجاسات ، أو أنّ التراب لم يخلق مطهّرا ، وإنما خلقه اللّه ملوّثا ، فلا ينقاد لهذه الأوامر . أما الذي يشعر بالعبودية ، ويستحضر جلال اللّه تعالى فلا يسعه عند عدم إدراك حكمة التشريع إلا الانقياد والامتثال لأمره تعالى . فإنّ اللّه يريد هذه التكاليف ليطهركم من الأدناس الحسية والمعنوية .
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
باليسر في الدين ، وبإرشادكم إلى التمتع بنعمة الأعمال الدينية بعد إرشادكم إلى التمتع بنعمة الدنيا بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي كي تشكروه لإنعامه عليكم ، فلعل للتعليل ، أو المعنى ليتم نعمته عليكم حال كونكم متلبسين بحالة ترجون معها شكر اللّه تعالى ، فتكون ( لعل ) للترجي الواقع من المخاطبين .

وهاهنا أمور

الأول : يؤخذ من الآية أن الطهارة شرط لصحة الصلاة ، لأنّه تعالى أوجب الطهارة بالماء عند إرادة الصلاة ، وبيّن أنه إذا انعدم الماء وجب التيمم ، فدل ذلك على أن المأمور به أداء الصلاة مع الطهارة ، فأداؤها دون الطهارة لا يكون أداء للمأمور به ، فلا يسقط الفرض به ، فتكون الطهارة شرطا لصحة الصلاة .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( بلفظ مختلف ) ( 1 / 281 ) ، 3 - كتاب الحيض ، 28 - باب التيمم حديث رقم ( 114 / 369 ) ، وأبو داود في السنن ( 1 / 138 ) ، كتاب الطهارة ، باب التيمم حديث رقم ( 330 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 362 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان