وإيجاب الوضوء عند إرادة الصلاة لا ينافي أنه يجب أيضا إذا ضاق الوقت ، فإنّ وقت الصلاة إذا ضاق وجب الوضوء والصلاة وجوبا مضيقا ، بمعنى أنّه يأثم بترك كلّ منهما ، وإنما ربط الأمر بالوضوء بحالة إرادة الصلاة للإشارة إلى أن الشأن في المؤمنين إقامتها وعدم الإهمال في أدائها .
وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إليها وإن لم يكن محدثا ، والإجماع على خلافه ، ولهذا قالوا : إن الخطاب للمحدثين للإجماع على أنّ الوجوب لم يكن إلا عليهم ، ولأنّ في الآية ما يدل عليه ، فإنّ التيمم بدل عن الوضوء ، وقائم مقامه ، وقد قيّد وجوب التيمم في الآية بوجود الحدث ، وهو يدل على أنّ الأصل مقيّد بوجوب الحدث ليتأتّى أن يكون البدل قائما مقام الأصل ، ولأن الأمر بالوضوء نظير الأمر بالاغتسال ، وهو مقيّد بالحدث الأكبر في قوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا
فيكون نظيره ، وهو الأمر بالوضوء مقيّدا بالحدث الأصغر .
ويستأنس لاعتبار هذا القيد بما جاء في قراءة شاذة « إذا قمتم إلى الصّلاة وأنتم محدثون » وأما ما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه كانوا يتوضئون لكل صلاة فلم يكن ذلك بطريق الوجوب ، يدل عليه ما
ورد من قوله عليه الصلاة والسلام : « من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات » « 1 »
مع ما
ورد من أنه عليه الصلاة والسلام يوم الفتح صلّى الصلوات الخمس بوضوء واحد فقال له عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه :
يا رسول اللّه صنعت شيئا لم تكن تصنعه ، فقال عليه الصلاة والسلام : « عمدا صنعته يا عمر » « 2 »
يعني يريد بيان الجواز فيكون الوضوء على طهر مندوبا فقط لا واجبا .
والوجه مأخوذ من المواجهة ، وهي تقع بما كان من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ، ومن الأذن إلى الأذن عرضا ، فيجب غسل كل ما في هذه الدائرة فإن كان له لحية خفيفة وجب غسل الشعر والبشرة التي تحته ، وإن كانت غزيرة وجب غسل ظاهرها فقط ، ولكن لا يجب إيصال الماء إلى داخل العين لما في التزامه من الحرج ، وقد قال تعالى في آخر الآية :
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ
. وأما الفم والأنف فأخذ حكمهما من دليل آخر .
و ( إلى ) في قوله :
إِلَى الْمَرافِقِ
و
إِلَى الْكَعْبَيْنِ
تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها فقط ، وأما دخول الغاية في الحكم أو خروجها عنه فلا دلالة لها عليه ، وإنما هو
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 1 / 37 ) ، كتاب الطهارة باب الرجل يجدد الوضوء حديث رقم ( 62 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 1 / 87 ) ، كتاب الطهارة باب من جاء في الوضوء حديث رقم ( 59 ) .
( 2 ) رواه مسلم في الصحيح ( 1 / 232 ) ، 2 - كتاب الطهارة ، 25 - باب جواز الصلوات حديث رقم ( 86 / 277 ) .