تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
والإخبار ، وأعاده في هذه الآية للدلالة على أنّه تعالى كما أكمل الدين وأتمّ النعمة فيه أكمل النعمة فيما يتعلق بالدنيا التي منها إحلال الطيبات ، وطعام أهل الكتاب ، والمحصنات المؤمنات ، والمحصنات الكتابيات . والمراد بالطيبات ما يستطاب ويشتهى عند أهل النفوس الكريمة . والمراد بطعام أهل الكتاب ذبائحهم عند الجمهور ، وهو الراجح ، لا الخبز والفاكهة ، ولا جميع المطعومات ، لأنّ الذبائح هي التي تصير طعاما بفعلهم ، وأما الخبز والفاكهة والمطعومات فهي مباحة للمؤمنين قبل أن تكون لأهل الكتاب ، وبعد أن تكون لهم فلا وجه لتخصيصها بأهل الكتاب . وخصّ هذا الحكم بأهل الكتاب لأنّ المجوس لا يحل أكل ذبائحهم ، ولا التزوج بنسائهم ، وإنما قال :
وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ
أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم ، للتنبيه على أنّ الحكم مختلف في الذبائح والمناكحة ، فإنّ إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين ، بخلاف إباحة المناكحات . فإنها في جانب واحد ، والفرق واضح ، لأنّه لو أبيح لأهل الكتاب التزوج بالمسلمات ، لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن ، واللّه تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعيا ، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظورا . وأحل لكم المحصنات المؤمنات أي الحرائر أو العفائف ، أو المراد المصونات ، فيعم الحرائر والعفيفات ، وتخصيصهن بالذكر للحث على ما هو الأولى في عقدة النكاح ، لا لنفي ما عداهن ، فإنّ نكاح الإماء لغير المالكين صحيح بشرطه ، وكذا نكاح غير العفيفات . وأحل لكم المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى ، أي أحلّ لكم الحرائر والعفيفات من أهل الكتاب ، سواء أكنّ ذميات أم حربيات ، وتخصيص الحرائر العفيفات بالذكر للحث على ما هو الأولى ، كما سبق ، لا لنفي ما عداهن ، وقيّد الحل بإيتاء المهور في قوله :
إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
للدلالة على تأكّد وجوب المهر حتى كأنّه إذا لم يؤدّ المهر لا تحل له الزوجة ، وللحثّ على ما هو الأولى ، وهو إيتاء الصداق قبل الدخول . وقوله :
مُحْصِنِينَ
حال من فاعل
آتَيْتُمُوهُنَّ
أي أحل لكم محصنات أهل الكتاب إذا آتيتموهن أجورهن حال كونكم محصنين ، أي متعففين بالزواج بهن ( غير مسافحين ) حال من ضمير
مُحْصِنِينَ
أو صفة لمحصنين ، أي غير مجاهرين بالزنى ، ولا متخذي أخدان ، أي ولا مسرّين ، وهو إما مجرور معطوف على
غَيْرَ مُسافِحِينَ
زيدت فيه ( لا ) لتأكيد النفي المستفاد من ( غير ) أو منصوب معطوف على
غَيْرَ مُسافِحِينَ
.