والبهيمة في الأصل كلّ حيّ لا يميّز ، سمّي بذلك لأنه أبهم عن أن يميز أي حجب ، فهو عام يشمل الأنعام وغيرها ، سواء أكانت من ذوات الأربع أم لا ، وإضافته للبيان ، أيّ بهيمة هي الأنعام ، وخرج بها غير الأنعام ، سواء كان من ذوات الحوافر كالخيل والبغال والحمير أم من غيرها مثل الأسد والنمر والذئب .
وقيل : البهيمة خاصّ بذوات الأربع ، وقال ابن عباس : المراد بالبهيمة هنا أجنة الأنعام ، فهي حلال متى ذكّيت أمهاتها ، وهو مذهب الشافعية ، وإنما لم يقل أحلّت لكم الأنعام ليشير إلى أنّ ما يماثل الأنعام مثلها في الحل كالظباء وبقر الوحش ما لم يدلّ الدليل على حرمته .
لما كان الإحلال لا يتعلق إلا بالأفعال كان من اللازم إضمار فعل يناسب الكلام ، وقد دلّ على هذا بقوله تعالى :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 )
[ النحل : 5 ] أي لتنتفعوا بها في الدفء وغيره ، فالمراد أحلّ لكم الانتفاع ببهيمة الأنعام ، وهو يشمل الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك .
ثم قال :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
أي يستثنى من حلّ بهيمة الأنعام ما يتلى عليكم في آية تحريمه : من الميتة والمنخنقة إلخ فإنّ كلّ هذا حرام ما لم تدرك ذكاته ، وهو حيّ بالتفصيل الذي يأتي .
وقوله :
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
حال من الكاف في
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
.
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ
أي يشرع ما يشاء من تحليل وتحريم بحسب ما تقتضيه حكمته البالغة ، فأباح بهيمة الأنعام في جميع الأحوال ، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض ، ولا اعتراض عليه ، لأنّه مالك الأشياء وخالقها ، فيتصرف فيها كما يشاء بحكمته وحسن تدبيره .
وينبغي أن يعلم أنّ العقود التي يجب الوفاء بها لا تشمل التعاقد على المحرمات ، فلا يجب الوفاء به ، ومثله حلف الجاهلية على الباطل ، كحلفهم على التناصر والميراث ، بأن يقول أحد الطرفين للآخر إذا حالفه : دمي دمك وهدمي هدمك ، وترثني وأرثك ، فيتعاقدان بذلك على النّصرة والحماية سواء أكانت بحق أم بباطل ، فأبطل الإسلام التناصر على الباطل بقوله تعالى :
وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
وقوله عليه الصلاة والسلام : « لا ضرر ولا ضرار » « 1 »
وبنهيه عن العصبية العمية كما
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في السنن ( 2 / 784 ) ، 13 - كتاب الأحكام ، 16 - باب من بنى في حقه حديث رقم ( 2340 ) و ( 2341 ) ، ومالك في الموطأ ( 2 / 745 ) ، 36 - كتاب الأقضية ، 26 - باب القضاء حديث رقم ( 31 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 672 ) .