فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
[ النساء : 3 ] فشرط في جواز الجمع بين النساء الوثوق من العدل بينهن . والعدل غير مستطاع ، فكأن الجمع بين النساء غير جائز ، لأنه مشروط بشرط قد أخبر اللّه أنه لا يتحقق ولن يكون ، من أجل ذلك ترى أئمة التفسير من السلف الصالح كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وأبي عبيدة وغيرهم يقولون :
إن العدل الذي أخبر اللّه عنه أنه غير مستطاع هو التسوية بين الزوجات في الحب القلبي ، وميل الطباع ، ومعلوم أنّ ذلك غير مقدور .
وأما العدل الذي جعل شرطا في جواز الجمع بينهن فهو التسوية بينهن فيما يقدر عليه المكلف ويملكه ، مثل التسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى وما يتبع ذلك من كل ما يملك ويقدر عليه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مليكة أنّ الآية نزلت في عائشة رضي اللّه عنها ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحبها أكثر من غيرها .
و
روى الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة أنها قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم بين نسائه ، فيعدل ، ثم يقول : « اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » « 1 »
وعنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : بما لا يملكه هو ، ويملكه اللّه : المحبة وميل القلب غير الاختياري .
ومعنى الآية إنكم لن تقدروا على التسوية بين النساء في الحب وميل الطباع ، فالتفاوت بينهن في الود والمحبة حاصل ولا محالة ، وليس في استطاعتكم جلبه ولا دفعه ، فاللّه قد عفا لكم عنه ، ولستم مكلفين به ولا منهيين عنه ، ولكن ذلك التفاوت في الحب له نتائج تظهر في الأقوال والأفعال التي تملكونها ، وتقدرون عليها ، ويصح تعلق الأحكام بها ، فأنتم منهيون عن إظهار التفاوت في القول والفعل المقدورين لكم .
وقال بعض العلماء : حقيقة العدل بين النساء التسوية بينهن في كل شيء ، بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب في شأن من الشؤون ، كالقسم والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها ما لا يكاد يحصر . والعدل بهذا المعنى غير مقدور للمكلف البتة . ولو حرص على إقامته وبالغ فيه ، والعجز عن حقيقة العدل لا يمنع عن تكليفكم أيها الأزواج بما دونها من المراتب التي تستطيعونها ، فإنّ الميسور لا يسقط بالمعسور ، وما لا يدرك كله لا يترك كله .
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
فلا تجوروا على المرغوب عنها كلّ الجور ،
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 2 / 209 ) ، كتاب النكاح باب القسم بين النساء حديث رقم ( 2134 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 3 / 446 ) ، كتاب النكاح حديث رقم ( 1140 ) ، وابن ماجة في السنن ( 1 / 633 ) ، كتاب النكاح ، باب القسمة بين النساء حديث رقم ( 1971 ) ، وأحمد في المسند ( 6 / 144 ) .