تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر ، ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شيء ، وتتوهمه سببا ، فلا جرم جعل اللّه لنشوزهن عقوبة حتى يرتدعن ، ويحسنّ حالهن . وأنّ في مساق الآيتين ما يرشد إلى أنّ النشوز في النساء كثير ، وفي الرجال قليل ، ففي نشوز المرأة عبر باسم الموصول المجموع إشارة إلى أنّ النشوز محقق في جماعتهن . وفي نشوز الرجل عبر بأن التي للشك ، وبصيغة الإفراد ، وجعل الناشز بعلا وسيدا مهما كان . كل ذلك يشير إلى أنّ النشوز في الرجال غير محقق ، وأنه مبنيّ على الفرض والتقدير ، وأنه إذا فرض وقوعه فإنما يكون من واحد لا من جماعة ، وأن ذلك الواحد على كل حال سيد زوجته . 3 - أنّ نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة ، وإذا كان اللّه قد جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها ، فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة . الثالث : قال الجصّاص « 1 » في قوله تعالى :
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
إنّه جائز أن يكون عموما في جواز الصلح في سائر الأشياء إلا ما خصّه الدليل ، وذلك يدلّ على جواز الصلح عن إنكار ، والصلح من المجهول ، ونازعه في ذلك الفخر الرازي فقال : إنّ الصلح في الآية مفرد دخل عليه حرف التعريف ، والمفرد الذي دخل عليه حرف التعريف مختلف في إفادته العموم ، ولو سلّم أنّه يفيد العموم ، فإنما ذلك إذا لم يكن هناك معهود سابق ، أما إذا كان هناك معهودا سابقا كما في الآية ، فالأصح أنّ حمله على المعهود السابق أولى من حمله على العموم ، وذلك لأنا إنما حملناه على العموم والاستغراق ضرورة أنّا لو لم نقل ذلك لصار مجملا ، ويخرج عن الإفادة ، وإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور ، فوجب حمله عليه ، وبذلك يندفع استدلال الجصّاص ، ويكون المعنى : والصلح المعهود - وهو الصلح بين الزوجين - خير . وأنت تعلم أنّ الجصاص لم يجزم بأن اللفظ عام ، بل قال : إنه يجوز أن يكون عاما ، كما يجوز أن يكون خاصّا بالصلح بين الزوجين ، على أنّ وقوع الجملة اعتراضا ، وجريانها مجرى الأمثال مما يرجح كون اللفظ عاما ، فتدبر ذلك . قال اللّه تعالى :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 129 ) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً ( 130 )
يخبر اللّه هنا بأنّ العدل بين النساء غير مستطاع ، وفي آية سابقة قال :
هامش
( 1 ) انظر أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص ( 2 / 283 ) .