تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
سبب نزول هذه الآية : قد اختلف فيه ، ونحن نقتصر هنا على رواية واحدة « 1 » : قيل : إنّ مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ، ولم يسلم من قومه غيره ، فغزتهم سرية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان عليها غالب بن فضالة الليثي ، فهربوا ، وبقي مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، وصعد ، فلما تلاحقوا وكبّروا ، كبر ونزل ، وقال : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد ، واستاق غنمه ، فأخبروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فوجد وجدا شديدا ، وقال : « قتلتموه إرادة ما معه » ثم قرأ الآية على أسامة ، فقال : يا رسول اللّه استغفر لي ، فقال : « فكيف بلا إله إلا اللّه » قال أسامة : فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر لي ، وقال : أعتق رقبة . ويؤخذ مما تقدم أنّ الكافر إذا قال : لا إله إلا اللّه ، حرم قتله ، لأنّه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله . وقد قال الفقهاء : إذا قتله في هذه الحالة قتل به ، وإنما لم يقتل أسامة لأنّه كان في صدر الإسلام ، وتأوّل أنه قالها متعوّذا ، وأنّ العاصم قولها مطمئنا . وقد ورد الحديث الصحيح « 2 » مبينا أنّ قول لا إله إلا اللّه عاصم كيفما كان ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوا لا إله إلا اللّه عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على اللّه » . قال اللّه تعالى :
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ( 101 )
الضرب في الأرض : السير فيها - قال اللّه تعالى :
وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ
[ المزمل : 20 ] . وقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا
[ النساء : 94 ] . القصر : من الشيء الحدّ منه وجعله أنقص مما كان ، وهو بهذا المعنى في الصلاة يحتمل النقص من عددها ، ويحتمل النقص من صفتها وهيئتها ، فالأول أن تصير الرباعية ثنتين ، والثاني التخفيف في هيئتها كأن تكون ذات ركوع وسجود ، يمتنع المشيء فيها ، فتصير ذات إيماء يباح الانتقال فيها ، وكأن يصلي المأموم خلف الإمام الصلاة كاملة فيقتصر على جزء منها مع الإمام ، ثم ينتظر حتى يجيء مأموم آخر فيصلي مع الإمام ما بقي من صلاة الإمام ثم ينصرف ، ويتم كل من المأمومين صلاته
هامش
( 1 ) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ( 5 / 141 ) . ( 2 ) رواه مسلم في الصحيح ( 1 / 52 ) ، 1 - كتاب الإيمان ، 8 - باب الأمر بقتال الناس حديث رقم ( 33 / 21 ) .