إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ
أي نعم شيء يعظكم ، أو نعم الذي يعظكم به ، والمخصوص بالمدح محذوف ، يرجع إلى المأمور به من أداء الأمانات ، والحكم بين الناس بالعدل .
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
يبصر ما يكون منكم من أداء الأمانات وخيانتها فيحاسبكم عليه ، ويسمع ما يكون من حكمكم بين الناس فيجازيكم به .
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( 59 )
لمّا أمر اللّه الولاة بأن يسيروا في حكمهم بين الناس على مقتضى العدل ، وكان العدل لا يتحقّق إلا أن يلتزمه الناس ، قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
إلخ وقد اختلف المفسّرون في المراد بأولي الأمر ، فذهب بعضهم إلى أنهم أمراء المسلمين ، فيدخل فيهم الخلفاء الراشدون ، والملوك والسلاطين ، والقضاة وغيرهم ، وذهب بعضهم : إلى أنّهم أمراء السرايا ، وقال آخرون : إنّهم العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية ، ويعلمون الناس دينهم .
وذهب الروافض إلى أنهم الأئمة المعصومون ، بل لقد غلت طائفة منهم وزعمت أن المراد من أولي الأمر علي بن أبي طالب وحده .
ونحن نرى أنه ليس ما يمنع أن يكون الجميع مرادا عدا ما ذهب إليه الخوارج ، فالخلفاء واجبو الطاعة ، وأمراء السرايا واجبو الطاعة ، والعلماء واجبو الطاعة ، كل ذلك واجب ، ما لم يكن إلمام بمعصية ، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
ويرى الفخر الرازي أنّ المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد ، ويريد من ذلك أن يستدل بالآية على حجية الإجماع ، وهو يدعم رأيه هذا بأنّ اللّه ذكر ثلاثة ، واجبة طاعتهم : اللّه ، ورسوله ، وأولو الأمر ، واللّه ورسوله مقطوع بعصمتهم ، فوجب أن يكون أولو الأمر كذلك ، ولا نجد من أولي الأمر على ما ذكره المفسرون من هو واجب العصمة إلا أهل الحل والعقد عند اجتماعهم على أمر من الأمور ،
« لن تجتمع أمتي على ضلالة »
فينبغي أن يكون المراد من أولي الأمر أهل الحل والعقد ، ويكون ذلك دليلا على حجية الإجماع .
وقد ذكر اللّه الأمر بطاعة اللّه والأمر بطاعة الرسول وأولي الأمر ، ثم أمر برد ما يتنازع فيه إلى اللّه والرسول ، جعل ذلك محقّقا للإيمان باللّه ورسوله واليوم الآخر ، ووصفه بأنه خير وأحسن مآلا ، وذلك يقتضي أن يكون الردّ إلى اللّه والرسول غير طاعة اللّه والرسول ، وإلا كان ذلك تكرارا محضا ، إذ يؤول الكلام إلى أطيعوا اللّه والرسول وأولي الأمر ، فإن تنازعتم في شيء فأطيعوا اللّه والرسول وذلك لغو ينزّه القرآن عن