تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
والملامس ، وذلك يقتضي أنّ السفر مبيح للتيمم ، ولو من غير حدث ، وكذلك المرض ، مع أن التيمم لا يطلب إلا من المحدث . وأجاب عن ذلك بعض العلماء بأن السبب في عدم ذكر الحدث مع المرض والسفر أنّ الكلام في الجنابة في السفر ، حيث قال :
وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا
فحال الجنابة معهما ملحوظ ، حيث هذا بيان للحكم إذا لم يتيسر الغسل من الجنابة لفقد الماء ، وأما الحدث الأصغر فيهما فيعلم حكمه من حكم الجنابة لدلالة النص . ومن العلماء من اختار في تأويل الآية رأيا آخر : فذهب إلى أنّ
أَوْ
في قوله :
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ
بمعنى الواو ، ويكون المعنى عليه :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا
ويكون ذلك في معنى قولك : إن كنتم مرضى أو مسافرين محدثين حدثا أصغر أو أكبر ، وفقدتم الماء حقيقة أو حكما ، بأن لم تقدروا على استعماله مع وجوده ، فتيمموا صعيدا طيبا . وقد جاءت
أَوْ
بمعنى الواو كثيرا كما في قوله تعالى :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 )
[ الصافات : 147 ] فإن معناه ويزيدون ، وكقوله :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
[ النساء : 135 ] معناه إن يكن غنيا وفقيرا فاللّه أولى بهما . ونقل صاحب « روح المعاني » « 1 » عن بعضهم أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، ولا جنبا ولا جائيا أحد منكم من الغائط أو لامسا ، يعني ولا محدثين ، ثم قيل : وإن كنتم مرضى أو على سفر : فتيمموا وفيه الفصل بين الشرط والجزاء والمعطوف عليه من غير نكتة . وأقرب هذه التأويلات هو ما حملنا عليه الآية في أول الأمر ، وما ورد عليه - من أن ذلك يقتضي أن السفر بنفسه سبب ، وكذا المرض ولو من غير حدث - يندفع متى روعي الكلام في أمر الطهارة من الأحداث ، وأنها الغسل ، انظر إلى قوله تعالى :
وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا
فأمر الحدث أمر مقرّر مفروغ منه ، إنما الكلام في الأعذار المبيحة للتيمم ، ولا سبب في الحقيقة إلا فقد الماء ، وفقد الماء له مظاهر ، فمن مظاهره السفر ، وعدم الماء فيه غالب ، وإن وجد فأغلب أمره أن يكون محتاجا إليه ، ومن مظاهره المرض ، وجعل المرض من أسباب التيمم مشعر بأن ذلك إنما يكون في مرض لا يمكن معه استعمال الماء ، والمظهر الحقيقي لفقد الماء أن يكون خاليا من هذه الأعذار ، ثم لا تجد الماء وأنت محدث حدثا أصغر أو أكبر . على هذا الوجه يصح أن تفهم الآية ، ولا شيء في فهمها حينئذ من التكلف ،
هامش
( 1 ) انظر روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للإمام الألوسي ( 5 / 42 ) .