تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت ، والجمهور على أنها نزلت في غزوة المريسيع حين عرّس « 1 » النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة ، فسقطت عن عائشة قلادة كانت لأسماء ، فبعث رجلين في طلبها ، فنزلوا ينتظرونهما ، فأصبحوا وليس معهم ماء ، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال : حبست رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين على غير ماء فنزلت « 2 » . فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة ، فجعل يقول : ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر ، وفي رواية : يرحمك اللّه يا عائشة ، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل اللّه فيه للمسلمين فرجا ، وهذا يدلّ على أن سبب النزول كان في فقد الماء في السفر . والسكر المذكور في الآية هو السكر من الشراب ، بدليل ما ورد في سبب النزول ، وبدهي أن النهي موجه إلى جماعة المؤمنين أن يقربوا الصلاة ، وهم على هذا الحال ، فإنها قد تجرهم إلى ما يضرهم في دينهم من حيث لا يشعرون ، ولقد أثّر فيهم النهي أثره ، فكانوا يمتنعون من الشراب إلى ما بعد صلاة العشاء ، ولا معنى لا دعاء نسخ الآية ، إذ المؤمنون ما زالوا منهيين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى . ولم تؤثر آية المائدة في هذا النهي شيئا حتى يقال : إنها نسخته . وقد اختلف العلماء في معنى الصلاة في قوله تعالى :
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
فذهب جماعة إلى أن المراد منها موضعها وهو المسجد ، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والحسن ، وإليه ذهب الشافعي رضي اللّه عنه ، والكلام إذا على حذف مضاف ، وهو مجاز شائع ، وقد عهد استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى في القرآن ، كما في قوله تعالى :
لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ
[ الحج : 40 ] فقد فسرها ابن عباس بأنها كنائس اليهود . ويؤيد حمل الصلاة على هذا المعنى أن اللّه تعالى يقول :
لا تَقْرَبُوا
والقرب والبعد أولى به أن يكون في المحسات ، فحملناه على المسجد ، ولأنّا لو حملناه على الصلاة لم يصح الاستثناء في قوله :
إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ
حتى لو حملنا عابر السبيل على المسافر ، لأنّ هذا الحكم حينئذ ليس خاصا بالمسافر ، لأنّ كل من عجز عن استعمال الماء ، سواء لفقده ، أو عدم القدرة على استعماله كذلك ، وأيضا فإنّ ظاهر النهي يدلّ على أنّ عابر السبيل ليس له أن يقرب الصلاة جنبا إلا بعد اغتسال ، وهو إذا لم يجد الماء يقرب الصلاة كغيره بالتيمم . وأيضا فقد ذكر اللّه في الآية حكم المسافر في قوله :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ
هامش
( 1 ) التعريس : النزول آخر الليل ، انظر لسان العرب ( 6 / 136 ) . ( 2 ) رواه ابن جرير في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري ( 5 / 68 - 69 ) .