تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
أن نهاهم عن أكل الأموال بالباطل ، وقتل النفس ، وذلك من أفعال الجوارح ليطهّر ظاهرهم . وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وجوها أشهرها ما روي عن مجاهد أنّ أم سلمة قالت : يا رسول اللّه يغزو الرجال ولا نغزو ، ولهم من الميراث ضعفنا ، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية « 1 » . روي عن ابن عباس في معنى الآية : لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي ، فإنّ ذلك يكون حسدا ، ولكن ليقل : اللهم أعطني مثله . وعلى هذا التأويل تكون الآية على ظاهرها ، ويكون معناها ، ولا تتمنوا ما ميّز اللّه به بعضكم من المال والجاه ، وكل ما يجري فيه التنافس ، فإنّ هذا التفضيل قسمة صادرة من حكيم خبير
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ
[ الزخرف : 32 ] وعلى من كان حظه من الدنيا قليلا أن يرضى بما قسم اللّه له ، ولا يحسد غيره ، لأنّ الحسد أشبه شيء بالاعتراض على من أتقن كل شيء وأحكمه . وقدّر بعضهم في الكلام مضافا ينساق إليه الذهن ، ويقتضيه المقام فقال : المعنى ولا تتمنوا مثل ما فضل اللّه به بعضكم على بعض ، لأنّ المقام ليس مقام طلب زوال النعمة عن الغير ، بل إنما هو طلب نعمة خاصّة أن تكون له ، وأما أن تزول عن غيره أو لا تزول فليس من القصد في شيء . وعلى هذا التأويل يكون تمني مثل ما للغير منهيا عنه ، لأنه قد يكون ذريعة إلى الحسد ، ولأنّ تلك النعمة التي تمناها بخصوصها ربما كانت مفسدة له في دينه ، ومضرة عليه في دنياه ، فلا يجوز أن يقول : اللهم أعطني دارا مثل دار فلان ، ولا ولدا مثل ولده ، بل ينبغي أن يقول : اللهم أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي ، ولا يتعرّض لمن فضل عليه . ويؤيد تأويل ابن عباس في الآية ما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا يتمنّ أحد مال أخيه ، ولكن ليقل اللهم ارزقني ، اللهم أعطني مثله » . وقوله تعالى :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ
تعليل للنهي السابق ، أي لكل من فريقي الرجال والنساء حظّ مقدّر في الأزل من نعيم الدنيا في التجارات والزراعات ، وغير ذلك من المكاسب ، فلا يتمنّ أحد خلاف ما قسم له . وقوله تعالى :
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
. حذف منه مفعوله لإفادة العموم ، أي :
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 221 ) ، كتاب التفسير حديث رقم ( 3022 ) .