وأكل الربا ، والتولّي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات » .
وقيل تسع ، وقيل عشر ، وقيل أكثر ، فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس أيضا أنه قيل له : هل الكبائر سبع ؟ فقال : هي إلى السبعين أقرب ، وروى ابن جبير أنه قال :
إلى السبعمائة أقرب .
والذين ضبطوا الكبيرة بالحد ذكروا لها عدّة تعاريف ، فمنهم من قال : هي كل معصية أوجبت الحد ، وقيل : هي كل ذنب قرن بالوعيد الشديد في الكتاب أو السنة .
وقيل : هي كل معصية أوجبت الحد أو قرنت بالوعيد الشديد . وقيل : هي كل ما نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم ، إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة .
قال الواحدي : الصحيح أن الكبيرة ليس لها حدّ يعرفها العباد به ، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ، ولكنّ اللّه تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهيّ عنه رجاء أن تجتنب الكبائر ، ونظير ذلك إخفاء ليلة القدر والصلاة الوسطى وساعة الإجابة اه .
يريد أنّ اللّه تعالى لو بيّن لنا أنّ الكبائر ليست إلا كذا وكذا عدا أو حدا ، وانضم إلى ذلك ما عرفناه من هذه الآية أنه متى احترزنا عن الكبائر صارت صغائرنا مكفّرة ، لكانت الآية إغراء لنا بالإقدام على الصغائر ، والإغراب بالقبيح لا يليق . ولكن يجوز أن يبيّن في بعض الذنوب أنه كبيرة ولا يكون في ذلك إغراء إذ لم يبيّن جميع الكبائر لا عدّا ولا حدّا .
وبعد فقد استشكلت الآية مع ما رواه مسلم « 1 » من
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر »
ووجه الإشكال أنّ الصلوات إذا كفّرت لم يبق ما يكفره غيرها ، فلم يتحقق مضمون الآية ، وأن اجتناب الكبائر إذا كفّر لم يبق ما تكفره الصلوات ، فلم يتحقق مضمون الحديث .
وأجيب عنه بأجوبة أصحها أن الآية والحديث بمعنى واحد ، فمضمون الحديث أنّ من اجتنب ترك الصلاة ، واجتنب الكبائر كفّرت سيئاته الصغائر ، وهذا هو معنى الآية ، فيكون الحديث بيانا وتنبيها على أنّ ترك الصلاة من الكبائر فتدبّر .
قال اللّه تعالى :
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 32 )
التمني : طلب ما يعلم أو يظن أنه لا يكون .
ينهى اللّه المؤمنين عن فعل من أفعال القلوب ، وهو الحسد ، ليطهّر باطنهم . بعد
هامش
( 1 ) رواه في الصحيح ( 1 / 209 ) ، 2 - كتاب الطهارة ، 5 - باب الصلوات الخمس حديث رقم ( 16 / 233 ) .