تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
وقد وقعت هذه المسألة للصحابة ، فقال فيها عمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت وجمهور الصحابة : إن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوج ، وهو السدس ، وللأب الثلث . وقد خالف فيها ابن عباس ، فقال : للأم ثلث المال ، وناظر فيها زيد بن ثابت ، وقال : أين في كتاب اللّه ثلث ما بقي ؟ فقال زيد : وليس في كتاب اللّه إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين ، وقد أشار زيد إلى جواب المسألة ، وهو أنّ اللّه أعطاها الثلث إن لم يكن ولد ، وورثه الأبوان فقط ، لأنه قال :
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
فلو كانت تستحقّ الثلث مطلقا ولو مع وارث آخر لكان قوله :
وَوَرِثَهُ أَبَواهُ
عديم الفائدة ، فعلم أنها تستحقّ الثلث إذا لم يكن معهما وارث . بقيت حالة وهي ألا يكون ولد ولم ينفرد الأبوان بالميراث ، وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة ، فإما أن تعطى الثلث كاملا ، وهو خلاف معهود الفرائض ، وإما أن تعطى السّدس ، واللّه لم يجعلها لها فرضا إلا في موضعين ، مع الولد ، ومع الأخوة ، وإذا امتنع هذا وهذا ، كان الباقي بعد فرض الزوجين هو المال الذي يستحقه الأبوان ، ولا يشاركهما فيه مشارك ، فهو بمنزلة المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة ، فإذا تقاسماه أثلاثا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك . 2 - مات رجل ، وترك زوجة وأبوين ، هذه ثانية العمريتين ، وفيها أيضا تأخذ الأم ثلث الباقي في بعد فرض الزوجة ، والكلام فيها مثل الكلام في سابقتها سواء بسواء .
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
قال الزمخشري « 1 » : متعلق بما تقدم من قسمة المواريث كلها ، لا بما يليه وحده ، كأنه قيل : قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية يوصى بها . و قد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن الدين مقدّم على الوصية ، روى ابن جرير « 2 » عن علي رضي اللّه عنه أنكم تقرءون هذه الآية
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قضى بالدين قبل الوصية ، فليس لأحد من الورثة ، ولا من الموصّى لهم حقّ في التركة إلا بعد قضاء الدين ، ولو استغرق الدّين التركة فليس لأحد شيء . وهذا الدّين الذي قدّم على الوصية والميراث تقدّم عليه مئونة تجهيز الميت ، فكما أنه لا سبيل للغرماء إلى قوته وكسوته في حياته ، كذلك لا سبيل لهم إلى مئونة تجهيزه في وفاته . وإنما قدّم الدين على الوصية والميراث ، لأن ذمته مرتهنة به ، وأداء الدين أولى
هامش
( 1 ) في تفسيره الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ( 1 / 483 ) . ( 2 ) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري ( 4 / 190 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 232 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان