تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
قال اللّه تعالى :
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً ( 8 )
المراد بالقسمة : التركة بين الورثة ، وأولو القربى : من لا يرثون ، لكونهم محجوبين ، أو لكونهم من ذوي الأرحام . يأمر اللّه بإعطاء من حضر القسمة من هؤلاء ما يجبر خاطرهم ، وتطيب به نفوسهم ، وقد اختلف العلماء في هذه الآية ، أهي محكمة أم منسوخة ؟ فذهب ابن المسيّب ؛ والضحاك ؛ وابن عباس ؛ في رواية عطاء عنه إلى أنها منسوخة بآية المواريث
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
إلخ . وذهب ابن عباس في رواية عكرمة عنه ؛ وجمهور المفسرين إلى أنها محكمة ، ثم اختلفوا في ذلك الإعطاء ، أهو واجب أم مندوب ؟ فمن ذهب إلى الوجوب تمسّك بظاهر الأمر ، وأوجب على الوارث الكبير وعلى ولي الصغير أن يرضخا لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب به نفسه . ومنهم من قال : على الوارث الكبير الدفع ، وعلى ولي الصغير القول المعروف بأن يعتذر إليهم ، ويعرّفهم أن أصحاب المال صغار لا يقدّرون ما عليهم من الحق ، وإن يكبروا فسيعرفون حقهم . وذهب فقهاء الأمصار إلى أنّ هذا الإعطاء مندوب طولب به الكبار من الورثة ، وحجتهم في ذلك أنه لو كان لهؤلاء حقّ معيّن لبينه اللّه تعالى ، كما بيّن سائر الحقوق ، وحيث لم يبيّن ، علمنا أنه غير واجب ، وأيضا لو كان واجبا لتوفّرت الدواعي على نقله ، لشدة حرص الفقراء والمساكين ، ولو كان ذلك لنقل إلينا على سبيل التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس بواجب . والضمير المجرور في قوله تعالى :
فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ
يرجع إلى ما ترك الوالدان والأقربون ، أو إلى القسمة بمعنى المقسوم باعتبار معناها ، لا باعتبار لفظها ، كما في قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ
[ يوسف : 76 ] . والقول المعروف مفسّر كما تقدم بالعدّة الجميلة ، وبألا يتبع العطية بالمن والأذى بالقول ، وبأن يعتذر لمن لا يعطيه شيئا . قال اللّه تعالى :
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 9 )
أخرج ابن جرير « 1 » عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال في الآية : يعني بذلك
هامش
( 1 ) في تفسيره جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري ( 4 / 183 ) .