قال اللّه تعالى :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 )
.
هذا شروع في بيان أحكام المواريث بعد بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى التي آلت إليهم بالميراث .
كان من عادتهم في الجاهلية ألا يورّثوا النساء ولا الصغار ، يقولون : إنما يرث من يحارب ويحمي الحوزة ويجوز الغنيمة . وللرد عليهم نزلت هذه الآية ، قال ابن جبير وغيره « 1 » .
و
روي أنّ أوس بن ثابت مات ، وخلّف بنتين وابنا صغيرا وزوجة ، فجاء ابنا عمه ، فزويا ميراثه عن أولاده وزوجه ، على سنتهم في الجاهلية ، فقالت امرأته لهما :
تزوّجا البنتين ، وكانت بهما دمامة ، فأبيا ، فأتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فشكت إليه ، فقال :
ارجعي حتى انظر ما يحدث اللّه ، فنزلت :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ
الآية ، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ابني العم أن لا يفرّقا من مال أوس شيئا ، فإنّه قد أنزل عليّ فيه شيء ، أخبرت أنّ للذكر والأنثى نصيبا ، ثم نزل :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
[ النساء : 11 ] إلى قوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
[ النساء : 12 ] فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالميراث ، فأعطى المرأة الثمن ، وقسم ما بقي بين الأولاد ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، ولم يعط ابني العم شيئا « 2 » .
وفي بعض طرقه أن الميت خلّف زوجه وبنتين وابني عم ، فأعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الزوجة الثمن ، والبنتين الثلثين ، وابني العم الباقي .
وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال :
فمن الناس من أبقاها على ظاهرها ، فجعل المراد من الرجال الذكور البالغين ، ومن الوالدين الأب والأم بلا واسطة ، ومن النساء الإناث البالغات . يكون المعنى حينئذ :
للذكور البالغين نصيب مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم ، كإخوتهم وأخواتهم ، وأعمامهم وعماتهم ، وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن إلخ .
ويكون اللّه تعالى قد بيّن في هذه الآية أن الإرث غير مختصّ بالرجال كما هو عادتهم في الجاهلية ، بل هو أمر مشترك بين الرجال والنساء ، ولا مانع من الاقتصار في الآية على هذا القدر جريا على سنة اللّه في التشريع الإسلامي من التدرج في الأحكام ، إذ كان من عادة القوم توريث الكبار من الرجال دون الصغار والنساء كما علمت ، فأراد اللّه سبحانه أن ينقلهم عن تلك العادة قليلا على التدريج ، لأنّ الانتقال من العادة شاقّ ثقيل على الطبع ، فإذا كان دفعة عظم وقعه ، وصعب على النفوس تلقيه بالقبول ، وإذا كان على التدريج سهل أمره ، وخفّ على
هامش
( 1 ) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ( 2 / 123 ) .
( 2 ) المرجع نفسه ( 2 / 122 ) .