تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
والطائفة الثانية : ذهبت إلى أن ذلك حق اليتيم ، ينفق عليه من ماله بحسب حاله ، وحكي ذلك عن يحيى بن سعيد ، ويميل إليه كلام الجصاص ، وهو كما ترى تأويل بعيد كل البعد ، لا ينتظم مع قوله تعالى :
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ
. ومن هذه الطائفة من ادّعى نسخ هذه الآية بقوله تعالى بعدها :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
فقد أخرج أبو داود وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال :
وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
نسختها
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
إلخ .
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
من معاني الحسيب الكافي والمحاسب ، وكلاهما محتمل هنا . يأمر اللّه تعالى الأولياء والأوصياء أن يشهدوا على اليتامى حين يدفعون إليهم أموالهم ، بعد رعاية الشرطين السابقين : البلوغ ، ثم الرشد ، لأنّ ذلك الإشهاد أبعد عن التهمة ، وأنفى للخصومة ، وأدخل في الأمانة . واختلف العلماء في أنّ الوصي إذا ادّعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع إليه ماله هل يصدّق ؟ وكذلك إذا قال : أنفقت عليه في صغره ، هل هو مصدّق ؟ فقال الإمامان مالك والشافعي : لا يصدق ، وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه : يصدّق . واحتج مالك والشافعي بهذه الآية ، فإنّ قوله تعالى :
فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ
أمر ، وظاهر الأمر الوجوب ، وليس معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم يشهد ، بل المراد أنّ الإشهاد لا بد منه في براءة ذمته ظاهرا ، حتى إذا دفع المال ولم يشهد ، ثم طالبه اليتيم ، فالقول قول اليتيم بيمينه . وقال الحنفية : إنّ الأمر للندب ، وصرفه عن الوجوب أن الوصي أمين ، والأمين إذا ادّعى الردّ على من ائتمنه صدّق ، وقالوا إن قوله تعالى :
وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
يشهد لهم في عدم لزوم البينة ، فإنّ معناه أنه لا شاهد أفضل من اللّه تعالى فيما بينكم وبينهم ، روي ذلك عن سعيد بن جبير . واختار جمهور المفسّرين أن المعنى وكفى باللّه محاسبا لكم ، فلا تخالفوا ما أمرتم به ، ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم . ولا يخفى موقع المحاسب هنا ، وما فيه من الإشارة إلى أن الوصي سيحاسب على ما في يده من مال اليتيم ، ثم يجزى على عمله الجزاء الأوفى .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 221 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان