كونه بواد غير ذي زرع ، وأما الثانية فهي جعل أفئدة الناس تهوي إليه ، وتتعلّق به ، ويأتون للحج والعمرة رجالا ، وعلى كل ضامر من كل فج ، وتولية وجوههم شطره في الصلاة ، وأيّ ساعة تمرّ ليلا أو نهارا وليس فيها من يتجه إلى ذلك البيت يصلي ! ! فقد أجيبت دعوة إبراهيم على أتمّ وجه
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
.
وقد أشير إلى هاتين الحالتين في قوله تعالى حكاية عن المشركين :
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 )
[ القصص : 57 ] .
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ
فيه : أي البيت دلائل وعلامات ظاهرة لا تخفى على أحد : منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه للصلاة والعبادة ، فأيّ دليل أبين من هذا على كون هذا البيت أول بيت وضع ليعبد الناس فيه ربّهم ؟ وإبراهيم هو أبو الأنبياء الذين بقي في الأرض أثرهم .
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
آية ثانية على أنّ البيت الحرام حقيق بالتعظيم ، فقد اتفقت قبائل العرب طرّا على احترام هذا البيت وتعظيمه بنسبته إلى اللّه ، وقد اشتدّت مبالغة العرب في ذلك ، حتى إن من كان قاتلا ، واستباح حرماتهم ، ولجأ إلى البيت فإنه يصير آمنا ما دام فيه .
مضى على هذا عمل الجاهلية مع ما بين أهلها من اختلاف المنازع ، وتباين الأهواء والمشارب ، وتعدّد المعبودات ، وكثرة الأضغان والأحقاد ، وقد أقرّ الإسلام هذه الميزة للبيت الحرام ، وأما ما كان من المسلمين يوم فتح مكة فكان لضرورة تطهيره من الشرك ، ولأجل أن يعبد اللّه وحده ، ومع ذلك
فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنها حلّت له ساعة من النهار ، ولم تحل لأحد قبله ، ولن تحل لأحد بعده « 1 » .
على أنّ فتح مكة لم يؤثّر على أمر الحرم شيئا ، لأنّ
النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر مناديه أن ينادي : « من دخل داره ، وأغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن » « 2 » .
هذا وقد اتفق الفقهاء على أنّ من جنى في الحرم فهو مأخوذ بجنايته ، سواء أكانت في النفس أم فيما دونها .
واختلفوا فيمن جنى في غير الحرم ، ثم لاذ إليه ؛ فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن زياد إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لم يقتصّ منه ما دام فيه ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 2 / 260 ) ، 28 - كتاب جزاء الصيد ، 9 - باب لا ينفر صيد الحرم حديث رقم ( 1833 ) .
( 2 ) انظر تفسير ابن جرير الطبري ، المسمى جامع البيان ( 2 / 331 - 332 ) .