تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
نسل ولد إسحاق ، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظّمون بيت المقدس ، ويصلّون إليه ، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظّمت ما عظّموا ، ولما تحوّلت عن بيت المقدس ، وعظّمت مكانا آخر اتخذته مصلّى وقبلة ، وهو الكعبة ، فخالفت الجميع . فردّ عليهم بقوله :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 )
وتقريره أنّ البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت للناس يعظّمونه ، ويتعبدون اللّه فيه ، بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام لأجل العبادة خاصّة ، وقد قال إبراهيم :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
[ إبراهيم : 37 ] . ثم بنى سليمان بن داود عليهما السلام بيت المقدس بعد ذلك بعدة قرون . فما ذا فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غير أن امتثل أمر ربّه ، فرجع إلى قبلة أبيه إبراهيم ، واتخذها مصلّى . وأوّلية البيت قيل : أولية شرف ، وقيل : أولية زمان ، ولا مانع من أن يكون كل منهما مرادا ، فقد مرّ أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان بنيا البيت المحرّم للعبادة ، ثم جاء سليمان وبنى بيت المقدس ، فالأولية زمانية ، وهي تستلزم أولية الشرف . وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنه أول بيت وضع على الأرض بالنسبة للبيوت مطلقا ، فقالوا : إن الملائكة بنته قبل خلق آدم ، وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين سنة . روى البخاري ومسلم من حديث أبي ذر قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أول بيت وضع للناس ؟ فقال : « المسجد الحرام ، ثم بيت المقدس » فقيل : كم بينهما ؟ قال : « أربعون سنة » « 1 » . وقد يقال : إنّ هناك تعارضا بين ما ذكرنا من أنّ بناء الكعبة كان قبل بناء بيت المقدس بعدة قرون ، وأن الذي بناه إبراهيم ، وبين ما روي من أن الذي وضعها الملائكة قبل بيت المقدس بأربعين سنة ، وقد أجيب بأنّ الوضع غير البناء ، وبأنه لعل الذي كان من إبراهيم وسليمان كان إعادة ، ومعلوم أن بين إبراهيم وسليمان عدة قرون فلا منافاة .
لَلَّذِي بِبَكَّةَ
بكة اسم لمكة كما روي عن مجاهد ، وإبدال الميم باء كثير في كلامهم ، وقيل : هو بطن مكة حيث الحرم .
مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ
بيان لحاله الحسية الحسنة ، والمعنوية الشريفة ، وأما الأولى فهي ما ساق اللّه إليه من بركات الأرض ، ومن ثمار كل شيء ، ومن جميع الأقطار ، مع
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 4 / 164 ) ، 60 - كتاب أحاديث الأنبياء ، 40 - باب قول اللّه تعالى :وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَحديث رقم ( 3425 ) ، ومسلم في الصحيح ( 1 / 370 ) ، 5 - كتاب المساجد ، حديث رقم ( 1 / 520 ) .