تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فاللّه تعالى جعل في هذه الآيات المبايعات على ثلاثة أقسام : بيع بكتابة وشهود ، وبيع برهان مقبوضة ، وبيع بالأمانة ، فلما أمر في الآية الأولى بالكتابة والإشهاد ، أشار في الآية الثانية إلى أنه ربما يتعذّر أمر الكتابة والإشهاد في حالة السفر ، فذكر نوعا آخر من الاستيثاق : وهو الرهن الذي هو أبلغ في الاحتياط من الكتابة والإشهاد ، وأوصي في النوع الثالث بما يليق به ثم قال :
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
بعض المفسرين يرى أن هذه الجملة كالتأكيد لقوله :
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
مع ما فيها من زيادة تزعج الشاهد ، وتحمله على أداء الشهادة وهي قوله :
وَمَنْ يَكْتُمْها
إلخ . وأسند الإثم إلى القلب ، لأن الكتمان مما اقترفه ، كما يسند الزنى إلى العين والأذن بمثل هذا الاعتبار . وبعض آخر من المفسرين يصحّح ارتباط هذه الجملة بقوله :
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
على معنى أنه إذا أمن الدائن المدين ، ولم يكتب ، ولم يشهد ، ولم يأخذ رهنا لحسن ظنه به ، كان من الجائز أن يجحد المدين ، وأن يخلف ظنّ الدائن ، وكان من الجائز الذي يقع كثيرا أن يطّلع بعض الناس على هذه المعاملة . فهنا ندب اللّه تعالى من يطّلع على هذه المعاملة ليشهد للدائن بحقه ، وحذّره من كتمان الشهادة ، سواء أعرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لم يعرف ، وشدّد فيه بأن جعله آثم القلب إن كتمها ، ويدل لصحة هذا المعنى ما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خير الشّهود من شهد قبل أن يستشهد » « 1 » . و
آثِمٌ
خبر إنّ ، و
قَلْبُهُ
مرفوع به ، ويجوز أن يكون قلبه مبتدأ ، و
آثِمٌ
خبرا مقدما ، والجملة خبر إنّ
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
فيجازيكم به إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، فاحذروا من الإقدام على هذا الكتمان ، وامتثلوا ما أمركم به ، واللّه سبحانه أعلم . وصلّى اللّه على محمد وآله وصحبه ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، والحمد للّه رب العالمين .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 3 / 1344 ) ، 30 - كتاب الأقضية ، 9 - باب بيان خير الشهود حديث رقم ( 19 / 1719 ) بلفظ مختلف ورواه ابن ماجة في السنن ( 2 / 792 ) ، كتاب الأحكام ، باب الرجل عنده الشهادة حديث رقم ( 2264 ) .