تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
أي أعدل في إصابة حكم اللّه تعالى ، لأنّه متى كتب كان إلى اليقين أقرب ، وعن الكذب أبعد ، فكان أعدل عند اللّه . والقسط : اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط يقسط إقساطا إذا عدل ، فهو مقسط ، ومنه
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
[ المائدة : 42 ] . وأما قسط فهو بمعنى جار كما قال تعالى :
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( 15 )
[ الجن : 15 ] .
ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ
أي أثبت لها ، وأعون على إقامتها
وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا
أي أقرب إلى ارتفاع ريبكم في جنس الدّين ونوعه ؛ وقدره ؛ وأجله .
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها
أي أنكم مأمورون بالكتابة إذا كان التعامل بالدين ، لكن إن كانت معاملاتكم
تِجارَةً حاضِرَةً
بحضور البدلين ،
تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ
أي تتعاملون بالبدلين يدا بيد
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
إثم في عدل الكتابة لبعده حينئذ عن التنازع .
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
: أي إذا كان التعامل يدا بيد فلا بأس من عدم الكتابة ، ولكن ينبغي الإشهاد على هذا التعامل ، فإنّ اليد الظاهرة ربما لا تكون محقّة ، فالإشهاد أحوط .
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
أي لا يضارر - بالكسر - كاتب ولا شهيد بترك الإجابة ، أو بالتغيير والتحريف في الكتابة والشهادة ، أو لا يضار - بالفتح - كاتب إلخ . أي لا يجوز للطالب أن يضارر - بالكسر - الكاتب والشهيد ، بأن يقهرهما على الانحراف في الكتابة والشهادة ، ويضغط عليهما للخروج عما حدّ لهما ،
وَإِنْ تَفْعَلُوا
ما نهيتم عنه من الضرار ،
فَإِنَّهُ
أي فعلكم هذا
فُسُوقٌ بِكُمْ
وخروج عن الطاعة ، ملتبس بكم ، أو وإن تفعلوا شيئا مما نهيتم عنه على الإطلاق فإنه فسوق إلخ .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
فيما حذركم منه من الضرار ، أو من ارتكاب شيء مما نهاكم عنه
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
ما يصلح لكم أمر الدنيا ، كما يعلّمكم ما يصلح أمر الدين
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لا يخفى عليه حالكم الظاهر والباطن ، فهو يجازيكم بذلك وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاثة لتربية المهابة في نفس السامع ، وللإشارة إلى استقلال كل منهما بما هو مقصود منه . وهاهنا أمور : الأول : ذهب قوم إلى أن الكتابة والشهادة على الديون المؤجّلة واجبان بقوله
فَاكْتُبُوهُ
، وقوله :
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ
، ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى :
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
[ البقرة : 283 ] .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 186 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان