تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
الموضع الخالي بسبب وسوسته ، ولهذا يوجد هذا المعنى فيمن به نقص في المزاج ، وخلل في الدماغ ، ولا يوجد عند أهل الكمال والفضل والحزم والعقل . ويستأنس لذلك بما يظهر من قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 )
[ الأعراف : 201 ] فأهل التقوى والقلوب المطمئنة إذا وسوس لهم الشيطان تذكّروا أوامره ونواهيه ، فتستنير قلوبهم ، وتندفع عنهم الوساوس الشيطانية ، ولم يكن للشيطان عليهم سلطان . وأما الضعفاء : أهل القلوب التي لم تكن مطمئنة ، فيدعوهم الشيطان إلى طلب اللذات والشهوات ، وللاشتغال بغير اللّه تعالى تارة ، ويدعوهم باعث الحق والدين إلى الدين والعمل الصالح تارة أخرى فتحدث عندهم حركات مضطربة ، وأفعال مختلفة ، وهذا بعينه هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان . فآكل الربا لا شك أنه متهالك على حب الدنيا ولذاتها وشهواتها ، فإذا مات على ذلك ، وجاء يوم البعث خرج الناس من الأجداث سراعا إلا أكلة الربا ، فإنهم يتخبّطون ، يقومون ويسقطون ، كالذي يتخبطه الشيطان من أجل المسّ .

الأحكام

يؤخذ من الآية ما يأتي : أولا : حرمة الرّبا الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية ، وهو ربا النسيئة . ثانيا : حرمة ربا الفضل ، كأن يبيع منّا من الحنطة بمنوين منها . ثالثا : حرمة الصلح على خمسمائة حالّة مثلا مع من عليه ألف مؤجلة ، فإنّ هذا في معنى ربا الجاهلية الذي كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة ، فكانت الزيادة بدلا من الأجل ، فأبطله اللّه بتحريم الربا . وفي مسألة الصلح على قرض مؤجّل صالحه ربّ المال على بعض منه معجّل ، فالدائن قد انتفع بباقي الدين مقابل إسقاط الأجل ، والمدين قد انتفع بفضل من المال دون عوض مالي ، وجزئيات الربا كثيرة ، يعلم حكمها من انطباق ضابطه عليها . قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 277 )
سنة اللّه في كتابه الكريم أنّه مهما ذكر وعيدا ذكر بعده وعدا ، فلما بالغ هاهنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد فقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
أي صدّقوا باللّه ورسوله ، وبما جاءهم به
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
حال كونه
عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من مكروه يصيبهم
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
من أجل محبوب يفوتهم .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 179 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان