تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
أخرج ابن جرير « 1 » عن القعقاع قال : سألت الحسن عن رجل ترضع امرأته صبيا ، فحلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها ، قال : ما أرى هذا بغضب ، إنما الإيلاء في الغضب . قال : وقال ابن سيرين : ما أدري ما هذا الذي يحدّثون ، إنما قال اللّه :
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ . . .
إلى
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
إذا مضت أربعة أشهر فليخطبها إن رغب فيها ، فحجتهم أن اللّه قال :
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ . .
ولم يخصّص . وحجة الأولين أنّ اللّه جعل مدّة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الرجل ومضارته ، فإذا لم يكن الامتناع عن مضارة ، بل عن قصد الصلاح والخير ، لم يكن بذلك موليا ، فلا يكون هناك معنى لضرب الأجل ، فتخرج من مساءته ، إذ لا مساءة ، وذهب قوم إلى أن يمين الإيلاء ليست مقصورة على الحلف بترك الوطء ، بل تكون بالحلف على غيره أيضا ، كأن يحلف ليغضبنّها ، أو ليسوءنّها ، أو ليحرمنّها أو ليخاصمنّها : كل ذلك إيلاء . أخرج ابن جرير « 2 » عن أبي ذئب العامري أن رجلا من أهله قال لامرأته : إن كلمتك سنة فأنت طالق ، واستفتى القاسم وسالما فقالا : إن كلمتها قبل سنة فهي طالق ، وإن لم تكلّمها فهي طالق إذا مضت أربعة أشهر ، ونقل ذلك عن الشعبي أيضا . وحجة هؤلاء أن اللّه جعل مدة الإيلاء مخرجا للمرأة من سوء عشرة الرجل ، وليست اليمين على ترك الوطء بأولى أن تكون من معاني سوء العشرة من اليمين على أن يضربها ، أو لا يكلمها ، لأنّ كل ذلك ضرر عليها وسوء عشرة . وظاهر هذه الأقوال كلها أن الإيلاء لا بدّ فيه من اليمين ، وقالت المالكية : إذا امتنع الرجل من الوطء قصد الإضرار من غير عذر ، ولم يحلف ، كان حكمه حكم المولي ، لأنّ الإيلاء لم يرد لعينه ، وإنما أريد لمعنى سوء العشرة والضرر ، وهذا حاصل إذا ضارّها دون يمين . وقد اختلف الفقهاء في الفيء الذي عناه اللّه بقوله :
فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فقال بعضهم : هو غشيان المرأة الذي امتنع عنه ، لا فيئة له إلا ذلك ، وإذا عرض عذر من مرض أو سفر ، فلم يغش لذلك ، ومضت مدة الإيلاء ، بانت منه . . وقال آخرون : هو المراجعة باللسان ، أو القلب في حال العذر ، وفي غير حال العذر الغشيان . وقال آخرون : هو المراجعة باللسان مقام الغشيان في حالة العذر ، لأنّه لا يصير مضارا بترك الشيء إلا إذا كان قادرا على الإتيان به وتركه طواعية .
هامش
( 1 ) المرجع نفسه ( 2 / 251 ) . ( 2 ) في تفسيره جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري ( 2 / 251 ) .