تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 919

مساهمون:

ص٩١٩
ولعل تصدير الكلام بضمير الشأن - هو - للتنبيه من أول الأمر على فخامة الكلام الآتي ، ولبيان أنه من الخطورة والروعة ما يجعلك تبحث عنه وتلتفت إليه . وذلك أن الضمير يدعوك إلى ترقب ما بعده ، فإذا جاء تفسيره وتوضيحه تمكن في النفس أي تمكن ، ولعلك تسأل : أما كان الأولى أن يقال : اللّه الأحد بدل أحد ؟ والجواب على ذلك : أن المقصود إثبات أن اللّه - جل جلاله - واحد ليس متعددا في ذاته ، ولو قيل اللّه الأحد لأفادت العبارة أنهم يعتقدون الوحدانية ويشكون في ثبوتها للّه . مع أن المقصود نفى العدد لأنهم كانوا يعتقدونه ولهذا قال : اللّه أحد اللّه الصمد ، أي : ليس فوقه أحد ولا يحتاج إلى أحد ، بل هو وحده الذي يحتاج إليه كل ما عداه ، إليه وحده يلجأ الخلق في الشدائد والأزمات جل جلاله وتباركت آلاؤه .
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
وهذا تنزيه للّه عن أن يكون له ولد أو بنت أو والد أو أم ، أما كونه لا ولد له فهذا رد على المشركين الذين يقولون : الملائكة بنات اللّه ، وعلى النصارى واليهود الذين يقولون : العزير والمسيح أبناء اللّه ، ولم يكن اللّه مولودا كما قالت النصارى : المسيح ابن اللّه ثم عبدوه كأبيه ، أما استحالة أن يكون له ولد فإن الولد يقتضى انفصال جزء من أبيه وهذا بلا شك يقتضى التعدد والحدوث ومشابهة المخلوقات ، على أنه غير محتاج إلى الولد فهو الذي خلق الكون وهو الذي فطر السماوات والأرض وهو الذي يرثهما . أما استحالة كونه مولودا فهي من البديهيات الظاهرة ؛ لاحتياج الولد إلى والد ووالدة ، وإلى ثدي ومرضعة ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
نعم ما دام واحدا في ذاته ليس متعددا ، وليس والدا لأحد ولا مولودا لأحد ، فليس يشبه أحدا من خلقه ، وليس له مثيل أو نظير أو ند أو شريك سبحانه وتعالى عما يشركون . وهذه السورة مع وجازتها ردت على مشركي العرب وعلى النصارى واليهود كما مر وأبطلت مذهب المانوية القائلين بالنور والظلمة ، وعلى النصارى القائلين بالتثليث ، وأبطلت مذهب الصابئة الذين يعبدون النجوم والأفلاك ، وردت على مشركي العرب الذين زعموا أن غيره يقصد عند الحوائج ، وأن له شريكا تعالى اللّه عن ذلك كله .
التفسير الواضح — صفحة 919 | محمد محمود حجازي