تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 884

مساهمون:

ص٨٨٤
اقرأ باسم ربك ، أي : بقدرته - فالاسم كما مر علم على الذات وبه تعرف ، واللّه يعرف بصفاته - الذي خلق كل مخلوق فسواه وعدله في أي صورة شاءها له - وقد خلق الإنسان من علق ، اقرأ يا محمد ، والحال أن ربك الأكرم من كل كريم . لأنه واهب الكرم والجود ، وهو القادر على كل موجود ، ولقد كرر الأمر بالقراءة لأنها تحصل للإنسان العادي بالتكرار . وتكون للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم بتكرير الأمر ، وإذا كان اللّه أكرم من كل كريم ، أفيصعب عليه أن يهبك نعمة القراءة وحفظ القرآن وأنت لم تأخذ بأسبابها العادية ، اقرأ إن شئت قوله تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[ سورة القيامة آية 67 ]
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
[ سورة الأعلى آية 6 ] . اقرأ وربك الأكرم الذي علم الناس كيف يتفاهمون بالقلم مع بعد المسافة ، وطول الزمن ، وهذا بيان لمظهر من مظاهر القدرة والعلم
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
نعم لقد أودع اللّه في الإنسان من الغرائز والتفكير ما جعله يبحث ويستقصى ، ويجرب حتى وصل إلى معرفة أسرار الكون ، وطبائع الأشياء فاستخدم كل هذا له وسخره لإرادته
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة 29 ]
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[ البقرة 31 ] . ترى أن اللّه أمر نبيه بالقراءة عامة وخاصة القرآن ثم بين له أن هذا أمر ممكن بالنسبة للّه الذي خلق الخلق ، وخلق الإنسان من علق ، وهو الكريم الذي لا يبخل وخاصة على رسوله ، وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم .
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى * إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
حقا إن الإنسان ليطغى ويتكبر ويتمادى في الإثم لأنه رأى نفسه قد استغنت عن الغير بكثرة المال والأولاد ، وما كان له ذلك ! إن إلى ربك وحده الرجوع يوم القيامة فسوف يحاسبه على ذلك حسابا شديدا . لعلك تسأل عن تناسق الآيات ؟ فأقول لك : لما ذكر اللّه فيما ذكر بعض مظاهر القدرة والعلم وكمال النعم التي أنعم بها على الإنسان ، ومقتضى ذلك ألا يكفر به أحد ، ولكن الإنسان كفر وبغى فأراد اللّه أن يبين السبب فقال ما معناه : إنه حب الدنيا والغرور بها والحرص عليها حتى تشغله عن النظر في الآيات الكبرى ! بعد أن أمر اللّه نبيه بأن يتلو ما أوحى إليه من الكتاب وأبان له سبب كفر الإنسان ضرب له مثلا برأس من رؤوس الكفر قيل : هو أبو جهل ، وإن كانت الآية عامة .