تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 858

مساهمون:

ص٨٥٨
عالية البناء والركن ، لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ، بل هو الحديث العذب ، والفاكهة الحلوة ، التي لا عبث فيها ولا مجون . انظر إلى وصف أهل الجنة بالسرور والرضا عن أعمالهم في الدنيا ، وأنهم في جنة مرتفعة ، ثم هم لا يسمعون لغوا فيها ، كما نرى عند الأغنياء والمترفين ، في تلك الجنة العالية عيون لا ينقطع ماؤها ولا ينضب معينها . وفيها سرر مرفوعة قد أعدت للجلوس عليها أو النوم ، وفيها أكواب موضوعة لاستخدامها وتناول المشروب بها وفيها نمارق ووسائد قد صفت على الأرائك والمقاعد ، وفيها البسط الجميلة المنقوشة كالزرابى المبثوثة ، وفي الواقع فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون . ولا عجب في هذا ! ! أنسوا فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت « 1 » إنها خلقت على شكل بديع يدل على أن خالقها عليم بها بصير ، أرأيت إلى عنقها وطوله وإلى خفها وحافرها كيف أعد للسير في الصحراء وإلى معدتها وكيف وضعت على شكل يسهل معه حفظ الماء أياما ، أو لم ينظروا إلى السماء وما فيها كيف رفعت وعلقت في الهواء مع سرعة دورانها وشدة تجاذبها ، أو لم ينظروا إلى الجبال كيف نصبت كالأعلام يهتدى بها الساري ، ويلجأ إليها الخائف ، ويقصدها المتنزه والمصطاف ، أو لم ينظروا إلى الأرض كيف سطحت وبسطت ، ومهدت للعيش عليها ، أما جمع الإبل والسماء والجبال والأرض في سلك واحد فتلك هي أهم المرئيات عند العربي المخاطب بالقرآن الكريم ألا يدل ذلك كله على أنه قادر على كل شيء ، إذا كان الأمر كذلك فذكر يا محمد هؤلاء الناس ، واحملهم على النظر في ملكوت اللّه لعلهم يتفكرون ، ولا تأس عليهم ، إنما أنت مذكر فقط ، لست على قلوبهم مسيطرا ، إنما الذي يملك القلوب هو اللّه وحده ، فهو الذي يقدر على إلجائهم إلى الإيمان ، ولست عليهم مسلطا إلا من تولى وأعرض فسيسلطك اللّه عليه : أو المعنى : لست مستوليا عليهم لكن من تولى وأعرض فإن اللّه معذبه العذاب الأكبر ، لأن إليه إيابهم ، ثم إن عليه حسابهم .
هامش
( 1 ) ( كيف ) حال مقدم من ضمير خلقت ، وجملة ( خلقت ) : بدل اشتمال من الإبل .