وقد رد اللّه عليهم دعواهم الباطلة في قولهم : أإذا كنا عظاما نخرة نبعث ؟ ببيان أن إعادة الحياة للبشر أمر سهل ، وأن اللّه القادر على البدء قادر على الإعادة ، وأنه خلق في الكون ما هو أشد وأكبر من البشر
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
[ سورة غافر آية 57 ] فقال ما معناه :
لا تستبعدوا البعث بعد الفناء فإنما هي صيحة واحدة يكلف بها ملك
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
« 1 » فالمراد بالصيحة النفخة الثانية . فإذا أنتم بعدها جميعا لدينا محضرون تنتظرون ما يفعل بكم . وإذا أنتم أحياء على وجه الأرض بعد أن كنتم أمواتا .
وتلك قصة موسى مع فرعون الطاغية سيقت كالتسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتهديدا للمشركين ، فليس هم أقوى وأشد من فرعون وقومه ، فلما كفروا باللّه واليوم الآخر عاقبهم عقوبتين في الأولى والآخرة ، فاحذروا يا آل مكة أن تكونوا مثلهم : هل أتاك حديث موسى ؟ وهذا أسلوب بديع في التشويق إلى استماع الحديث والحرص عليه كأنه أول نبأ عن موسى ، هل أتاك حديثه إذ ناداه ربه - جل وعلا - وهو بالوادي المقدس المطهر - واد في أسفل جبل طور سيناء من جهة الشام - الذي قدسه اللّه مرة بعد مرة فقال له : اذهب إلى فرعون إنه طغى وجاوز الحد المعقول في تعذيب بني إسرائيل وفي الكفر باللّه ، فقل له مع الملاينة والملاطفة لتتم الحجة وينقطع العذر : هل لك إلى أن تطهر نفسك من أدرانها باتباع شرع اللّه الذي أوحى إلى ؟ وأهديك إلى ربك فتؤمن به وتعلم صفاته ، فيترتب على ذلك أنك تخشاه ، ولكن فرعون كذب ولم يؤمن وطلب آية على صدق موسى ، فأراه الآية الكبرى التي هي انقلاب العصا حية ، فكذب وعصى أيضا ، ثم أدبر عن الحق وأعرض عن موسى وعن دعوته ، وأخذ يسعى في الأرض بالفساد ومكايدته هو ومن معه ، فجمع السحرة من جميع البلاد وقال لهم : أنا ربكم الأعلى فليس هناك سلطان بعد سلطاني ، وظل فرعون سادرا في غلوائه لاهيا في عتوه وجبروته حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر . وهم يخرجون من مصر
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ
« 2 » وهكذا حكم اللّه على فرعون
هامش
( 1 ) - سورة الزمر آية 68 .
( 2 ) - سورة يونس آية 90 .