بَلْ
« 1 »
يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
وهذا إضراب عن توبيخ الإنسان والإنكار عليه لأنه يكذب بيوم الدين إلى توبيخه على فعل أشد وأدعى للإنكار . وهو أنه ينكر البعث لأنه يريد أن يتمادى في الشر . وينبعث في ارتكاب الإثم طول حياته ، فهو يريد أن يعيش كالحيوان لا عقل يمنعه ولا دين يردعه .
وهذا الإنسان المرتكب للمعاصي الفاجر المتعامى عن الحق فإذا وعظه واعظ أو ذكر بيوم القيامة سأل منكرا مستهزئا متعنتا : أيان يوم القيامة ؟ ! ! أي : متى هو ؟ أقريب أم بعيد ؟ ويظل هذا الوضيع سادرا في غيه لاهيا في شهواته ونزواته ، فإذا برق بصره ، وخسف القمر وانكسف نوره ، واختل نظام الكون حتى جمعت الشمس والقمر في مكان واحد وزمان واحد ، وإذا حصل هذا يقول متحيرا يومئذ : أين المفر ؟ أين النجاة وأين السبيل ؟ ! كلا « 2 » وألف كلا ! اليوم لا وزر ولا ملجأ ، ولا معين ولا ناصر ، لا ملجأ منه إلا إليه ، ولا حصن من عذابه إلا عفوه ، إلى ربك يومئذ المستقر ، وإليه وحده الالتجاء والسكون ، وماذا بعد هذا ؟ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم من عمل لذلك اليوم وما أخر من أمور طلبت منه ولم يعملها ، والمراد بالإخبار مجازاته على عمله كله إن خيرا فخير وإن شرّا فشر .
ثم أضرب الحق - تبارك وتعالى - عن إخباره بأعماله إلى مرتبة أتم وأوضح فقال :
بل الإنسان على نفسه شاهد وحجة ورقيب ، وعلى ذلك فالمعنى أن الإنسان يوم القيامة ينبأ بعمله ، والمراد يجازى عليه ، على أنه هو شاهد على نفسه وسوء عمله وقبيح أثره في الدنيا . فليس الأمر في حاجة إلى شهيد آخر
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 3 » .
كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
« 4 » فالإنسان يشهد على عمله ، ولو ألقى أعذاره ، وحمله الخجل والخوف على خلق أعذار كاذبة ، فإن شهادة نفسه عليه أحق بالقبول من هذه المعاذير .
هامش
( 1 ) هذا حرف يفيد الإضراب الانتقالى من أسلوب لآخر ، أو من حجة لأخرى .
( 2 ) هي كلمة زجر وردع للمخاطب .
( 3 ) سورة النور آية 24 .
( 4 ) سورة الإسراء آية 14 .