اتخذوا أيمانهم التي تعودوا الحلف بها كذبا ، اتخذوها جنة لهم ووقاية ، فهم كلما ظهر منهم شيء يوجب المؤاخذة حلفوا عليه كاذبين عصمة لأموالهم ودمائهم - كما روى البخاري في سبب النزول - واتخاذ الأيمان جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة ، فهم صدوا عن سبيل اللّه من أراد الدخول في الإسلام ، واستمروا على ذلك ، وقرئ ( إيمانهم ) والمراد ما كانوا يظهرونه من إسلام ليكون وقاية لهم من القتل أو الأسر ، إنهم ساء ما كانوا يعملون من النفاق وما يتبعه .
ذلك - والإشارة إلى أنهم أسوأ الناس عملا أو إلى ما حكى من نفاقهم وكذبهم وأيمانهم - بسبب أنهم آمنوا نفاقا وكذبا ، ثم كفروا ، أي : ظهر من أقوالهم وأفعالهم ، فطبع على قلوبهم وختم عليها بالخاتم حتى لا يدخلها نور الحق ، فهم لا يفقهون الحق والطريق السوى .
وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم لقوتها وتناسب أعضائها ، وإن يقولوا تسمع لقولهم لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحسن كلامهم في الدنيا ، والخطاب في الآية لكل من يصلح للخطاب أو لسيد المخاطبين صلّى اللّه عليه وسلّم وكانوا يحضرون مجلس الرسول كأنهم خشب مسندة ، شبهوا وهم جالسون مستندون إلى الحائط بالخشب المسندة ، إذ لا روح فيهم يعقل ، ولا بصيرة تبصر الخير ، فهم كما نقول : أصنام أو كراسي .
وهم لفرط هلعهم ، وشدة خوفهم من أن ينزل فيهم قرآن يفضحهم ، ويظهر طويتهم يحسبون كل صيحة واقعة عليهم ، هم العدو الكاملون في العداوة ، إذ لا أخطر من العدو المنافق الذي يضحك لك ، وقلبه يتميز غيظا منك ، فاحذرهم .
روى البخاري عن زيد بن أرقم قال : كنت مع عمى فسمعت عبد اللّه بن أبي بن سلول يقول : « لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا » وقال : « لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل » فذكرت ذلك لعمى فذكر عمى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عبد اللّه بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا وصدقهم رسول اللّه ، وكذبني ، فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي فأنزل اللّه - عز وجل - :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ
إلى قوله :
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ
إلى قوله :
لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
فأرسل إلىّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : « إن اللّه صدقك »
.