تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الواضح — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
هو الأول فليس قبله شيء ، إذ هو السابق على جميع الموجودات لأنه مصدرها ، وهو الآخر لأنه الباقي بعد فناء خلقه ، وهو الظاهر وجوده لكثرة الدلائل المادية والمعنوية عليه ، وهو الباطن فلا تعرف العقول ذاته على حقيقتها ، ولا تدركها الأوهام وهو بكل شيء عليم ، روى في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : « اللّهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظّاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنّا الدّين وأغننا من الفقر ! » . هو الذي خلق السماوات والأرض « 1 » في ستة أيام ، اللّه أعلم بمقدارها ، وهو القادر على خلقها في لحظة
إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 2 » لكنه ذكر هذه المدة ليعلم العباد التأنى والتثبت في الأمور ، وليعلمهم أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلقهم ، وليس هو بالهين
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
« 3 » . ثم استوى على عرشه ، واستقام أمره ، واستقر على حسب ما يريده مما لا يعلم ذلك إلا هو ، وهذا هو رأى السلف ، وأما الخلف فيؤولون قائلين : استوى على عرشه بعد تكوين خلقه بمعنى أنه يدبر الأمر ويفصل الآيات ، يعلم ما يلج في الأرض ويدخل فيها من نبات وبذور ، وإنسان ومعادن وكنوز ، وما يخرج منها من زروع وثمار ، ومياه وجثث وغيرها ، وهو يعلم ما ينزل من السماء من مطر أو شهب أو ملك أو آيات ، وما يعرج فيها ويصعد إليها من عمل أو ملك أو غيره ، وهو معكم بعلمه وقدرته أينما كنتم ، واللّه بما تعملون بصير . له ملك السماوات والأرض ، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ، وإلى اللّه وحده ترجع الأمور ، يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ، بمعنى أنه يدخل هذا في زمن ذاك ، وبالعكس ، ونحن في مصر نرى الليل في الشتاء طويلا بينما يكون النهار في الصيف قصيرا ، وفي الصيف يكون العكس ، وفي الربيعين يتساوى الليل والنهار ، سبحانه من قادر حكيم ! وهو العليم بذات الصدور ومكنوناتها التي لا تفارقها
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
« 4 » سبحانه وتعالى عما يشركون ؟
هامش
( 1 ) - الظاهر واللّه أعلم أن هذه الجمل بيان وتفسير لتمام ملكه ولذا فصلت عن سابقتها . ( 2 ) - سورة يس آية 82 . ( 3 ) - سورة غافر آية 19 . ( 4 ) - سورة غافر آية 57 .