الغيبية ، فهو بسبب ذلك يرى أن صاحبه يتحمل عنه شيئا من وزره ؟ ! أو نزل عليه قرآن من عالم الغيب فهو يرى أن ما صنعه حق .
بل ألم ينبأ بما في صحف موسى ، وصحف إبراهيم الذي وفي ما عليه ، وابتلى بشدائد كثيرة فخرج منها وافى الإيمان سليم العقيدة ، مستحقا هذا اللقب : « خليل الرحمن » ألم يعلم بأن صحف موسى وإبراهيم فيها أنه لا تزر وازرة وزر أخرى ، بمعنى لا تحمل نفس مستعدة للحمل ذنب نفس أخرى ، وفيها أنه ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى يوم القيامة ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى ، وأن « 1 » إلى ربك نهاية الخلق ومنتهاهم ، وأنه هو أضحك بعض عباده وأبكى ، أضحكهم لأنه وعدهم السعادة في الدنيا والآخرة ، وأبكى في الحقيقة من حرمهم السعادتين ، وأنه هو أمات وأحيا ، أي :
خلق الموت والحياة ، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من الإنسان والحيوان ، خلقهما من نطفة إذا تمنى ، وهذه النطفة لا يفرق فيها بين الذكر والأنثى ، فليس هناك شك في أنه وحده هو الخالق للذكر والأنثى ، وأن عليه النشأة الأخرى ، أي : الإحياء بعد الإماتة وأنه هو وحده الذي أغنى وأقنى ، أغنى بالمال والمنقولات وأقنى بالعقارات الثابتة ، وأنه هو رب الشعرى ، وغيرها من الكواكب ، وأنه أهلك عادا الأولى الذين أرسل لهم هود ، وأهلك ثمود الذين أرسل لهم صالح ، فما أبقى منهما شيئا ، وأهلك قوم نوح من قبل هؤلاء ، إنهم كانوا هم أظلم وأطغى من غيرهم ، وأهلك قرى قوم لوط ، وهم المؤتفكة التي رفعها اللّه إلى السماء ثم قلبها إلى الأرض فغشيها من الهم والحزن ما غشيها .
فبأي آلاء ربك أيها الإنسان تتمارى ، وتتشكك ؟ هذا القرآن الذي أنزل على محمد هو نذير من جنس النذر الأولى التي كانت تنزل على الأمم السابقة ، فما بالكم لا تؤمنون ، ولا تتعظون بما حل بغيركم ؟ ! أزفت الآزفة ، وقربت القيامة ، ليس لها من دون اللّه نفس كاشفة تكشفها وتزيلها ، بل الأمر كله للّه سبحانه وتعالى .
هامش
( 1 ) إن هذه تحتمل الفتح والكسر ، ويحتمل مدخولها وما بعده أنه مما في الصحف أو هو خاص بالقرآن .